كشف الحريق الذي أودى بحياة سبعة نزلاء في سجن عين العرب (كوباني) عن غموض في توزيع المسؤوليات خلال دمج مناطق شمال شرقي سوريا في مؤسسات الدولة. فبعد أكثر من أسبوعين على إعلان حلّ "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد)، قالت قيادة الأمن الداخلي إن السجن لا يزال يُدار بواسطة كوادره السابقة، وإنها لم تتسلّمه بعد. في المقابل، أكدت مصادر في وزارة الداخلية لـ"النهار" أن السجون "باتت جميعها تحت سيطرتها"، من دون تقديم تفسير واضح لعبارة "لم يُسلَّم رسمياً" في حالة عين العرب. ويترك هذا التباين حدود المسؤولية عن إدارة السجن وأمن نزلائه غير واضحة، في وقت تتواصل إجراءات نقل المؤسسات إلى سلطة الدولة. وتتزامن هذه القضية مع تعطل دوائر ومؤسسات في الحسكة وشكاوى معيشية وخدمية، وسط تحذيرات من أن يُبقي الدمج على مراكز النفوذ السابقة، أو يكرّس المحاصصة في المؤسسات التي يُفترض أن توحّد الإدارة. إعلان الحلّ والإجراءات العالقة نصّ اتفاق كانون الثاني/يناير على دمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن هياكل الدولة، وإدخال عناصر "قسد" العسكرية والأمنية بصورة فردية في وزارتي الدفاع والداخلية، وتسليم الحكومة السجون ومخيمات تنظيم "داعش" والمسؤولية القانونية والأمنية عنها. وبقيت هذه الملفات مفتوحة بعد إعلان حلّ "قسد" في 25 آب/أغسطس. وبعد أسبوع، وصف نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي الحلّ بأنه خطوة لتسريع الدمج وإنهاء الازدواجية، لكنه "ليس إنهاء لعملية الدمج"، موضحاً أن الإجراءات الإدارية وتدقيق البيانات وإحصاء احتياجات المحافظة تحتاج إلى مزيد من الوقت. وكانت الحكومة تصف العملية منذ آذار/مارس بأنها مسار طويل بعد 14 عاماً من الإدارة المنفصلة، فيما بدأت إجراءات دمج نحو تسعة آلاف عنصر من "الأسايش" بوزارة الداخلية، عبر مقابلات وتدقيق للبيانات والملفات الفردية. وبالتوازي، بدأت الدولة إعادة تفعيل فروع حكومية وإعادة موظفين ودمج أجهزة أمنية. ومع إنجاز عشرات الملفات، استمرت الحكومة في التأكيد أن العملية متقدمة وتحتاج إلى استكمال، بما يشمل إخضاع المؤسسات لوزارات مركزية وقوانين وسلاسل قيادة جديدة. يرى الباحث الدكتور فريد سعدون أن الفجوة بين إعلان الحلّ وواقع المؤسسات تتجاوز التأخر في الإجراءات. ويقول لـ"النهار" إن الإدارة "تغيرت من اللون الأصفر إلى اللون الأخضر" في مظهرها، لكنها لا تزال تحتفظ في بنيتها بكثير من عناصر الإدارة السابقة، معتبراً أن النفوذ الأمني والعسكري والإداري القديم لا يزال قوياً رغم حلّ "قسد" و"الإدارة الذاتية". ويضع سعدون الأزمة المعيشية والخدمية في صلب مشكلة الاندماج، مشيراً إلى تأخر مستحقات القمح وتعطل مؤسسات الدولة والغلاء والتوترات الاجتماعية. ويقول إن التركيز على منع التصادم العسكري أهمل "الفجوة الاجتماعية والاقتصادية" والمصالحة والعدالة الانتقالية، محذراً من أن هذه الملفات قد تتحول إلى مصدر اضطراب تعجز الترتيبات الأمنية وحدها عن احتوائه. وتربط هذه القراءة استقرار المحافظة بقدرة مؤسساتها على استعادة عملها ومعالجة مصالح السكان العالقة، إلى جانب استكمال الترتيبات العسكرية والأمنية. آليات قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية تتجه لدخول مدينة الحسكة بموجب اتفاق بين دمشق و" قسد"،=" التمثيل وشروط الإدارة الواحدة أما الباحث حسن عبدالله خلف، فيركّز على طبيعة المؤسسات التي تتشكل مع الاندماج. ويرى في حديث لـ"النهار"، أن نجاح العملية "لا يُقاس بتغيير الأسماء والرايات"، ويربطه بإنهاء المحاصصة وبناء إدارة تمثل أبناء الحسكة على أساس المواطنة والكفاءة. ويقول خلف إن شريحة واسعة من المكوّن العربي تشعر بأن الاندماج يعيد إنتاج التهميش السابق، بينما كانت "الإدارة الذاتية" تؤكد طوال السنوات الماضية أن العرب يشكّلون نسبة كبيرة من "قسد" ومؤسساتها. ومن هنا يطرح مسألة انعكاس هذا التمثيل داخل قوائم الدمج الحالية في المؤسسات العسكرية والأمنية والوظائف المدنية، معتبراً أن الشراكة المطلوبة يجب أن تكون متبادلة وحقيقية، وألا تتحول إلى امتياز لمكوّن على حساب آخر. ويمتد انتقاده إلى طبيعة السلطة في المحافظة. فاستمرار نفوذ سابق إلى جانب سلطة حكومية، أو وجود "سلطة شكلية فوق سلطة فعلية"، سيجعل الاندماج تقاسماً للنفوذ داخل الدولة بدلاً من توحيدها. ويشدد على أن الحسكة تحتاج إلى "دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، ومعايير واحدة"، مع تمثيل عادل للعرب والكرد وسائر المكونات، وفتح الوظائف والمجالس أمام أبناء المحافظة على أساس القانون والكفاءة. وتجمع قضية سجن عين العرب هذه الإشكالات في واقعة محددة تستدعي توضيح الجهة التي تدير المؤسسة، والسلطة التي تشرف عليها، والمسؤولية القانونية عن نزلائها. فاكتمال الدمج يتطلب تحديد الصلاحيات والمساءلة في كل مؤسسة، وترجمة المرجعية الحكومية إلى إدارة فعلية يلمس