وجدت بغداد والرياض أن العلاقة بين العاصمتين تمر بتحدٍ كبير يمسّ ذلك البناء الإيجابي بينهما والذي امتد لسنوات طوال، فالهجمات التي ضربت المملكة العربية السعودية خلال حرب الأربعين يوماً أو اعتداءات المسيّرات في تموز/ يوليو الماضي ، لم تكشف تورط الفصائل المسلحة أو "رديفتها " بالتنفيذ لحسابات إقليمية، بل أظهرت وجود إرادة "داخلية ـ خارجية" تعمل على تعطيل العلاقات والعبث بالأمن القومي للبلدين. فهذه الإرادة ومن خلفها بيئة سياسية، انتقلت إلى أكثر من مجال بهدف منع العراق من الاندماج في محيطه العربي بعد عام 2003, وتالياً فرملة خطوات الحكومات العراقية لجعل العلاقة مع السعودية متينةً واستراتيجية، في محاولة لاحتكار السياسة الخارجية وبقائها من دون هوية مستقلة، وتحويل العراق إلى دولة تابعة، أو حتى إلى صندوق لتمرير الرسائل. جاءت هجمات ميسان في 10 أيلول/سبتمبر، المنطلقة من الأراضي العراقية والتي استهدفت خط أنابيب شرق - غرب النفطي في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، لتضع العلاقة بين الدولتين أمام منعطفٍ حرج. فرغم التعهدات السابقة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالقدرة على منع الجماعات المسلحة من شنّ هجمات على السعودية، إلا أن التحدي الذي أبدته هذه الفصائل كان الهدف منه إضعاف موقفه وتعهداته، ما دفعه إلى اتخاذ خطوات جريئة تمثل أهمها بإغلاق أهم المنافذ الحدودية: الشلامجة والشيب ومندلي مع إيران، في رسالة تحدٍ لمن اختار تصفية حساباته من الجغرافيا العراقية، فضلاً عن إقالات وتحقيقات مع القيادات الأمنية في منطقة العمليات، في إجراء يتجاوز حدود المقصرين الرسميين، ليصل إلى المسؤولين الفعليين من المسلحين، دلالةً على قدرة بغداد على تحويل هذا التحدي الخطير الماس بأمن المنطقة إلى فرصةٍ تستطيع من خلالها الحكومة تفكيك السلاح الموازي وتحييد داعميه. ولهذا جاءت تصريحات الزيدي من باريس في 14أيلول الجاري، لتؤكد أن "سيطرة الدولة على السلاح شرط أساسي لبناء دولة موحدة لا توجد فيها مراكز متنافسة للقوة أو لصنع القرار"، وبالتالي فإن نجاح هذه الإجراءات والتوجه بمنع تكرار الاعتداءات سيعزز تحقيق هدف حصر السلاح، ويحول دون توسيع الأزمة في العلاقة بين العراق والسعودية.