لم تعد صورة العائلة اللبنانية التي يعيش أفرادها تحت سقف واحد كما كانت في السابق، بعدما وزّعت الهجرة أبناءها بين دول وقارات مختلفة. أبٌ في الخليج، ابنٌ في أوروبا أو كندا، ابنة في أميركا، وأهل يتقدّمون في السنّ في لبنان، فيما باتت شاشة الهاتف مساحة اللقاء اليومية بينهم. لطالما رافقت الهجرة تاريخ اللبنانيين، لكنها أخذت منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019 بُعداً مختلفاً. فمع تراجع فرص العمل والقدرة الشرائية والأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة، بات الرحيل بالنسبة إلى كثير من الشباب سبيلاً بحثاً عن الاستقرار المادي والنفسي، لا عن طموح مهني فحسب. خلف الأرقام، ثمة تحوّل اجتماعي أعمق: فالمهاجر قد يصبح المُعيل الأساسي لعائلته من الخارج، لكنه يفقد حضوره اليومي إلى جانبها، فتؤمّن الهجرة استقراراً مادياً للأسرة، مقابل إعادة توزيع أدوارها وطرح تحديات تتصل بتربية الأطفال ورعاية الأهل المسنين. أظهر استطلاع "الباروميتر العربي" لعام 2024، الذي شمل 2400 لبناني، أن 38 في المئة يفكرون في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 58 في المئة بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، مقابل 29 في المئة لدى من يبلغون 30 عاماً وما فوق. تبقى الظروف الاقتصادية المحرّك الأساسي، إذ ذكرها 72 في المئة من الراغبين في الهجرة سبباً للرحيل، تليها المخاوف الأمنية بنسبة 27 في المئة، ثم الفساد بنسبة 24 في المئة والأسباب السياسية بنسبة 23 في المئة. تكتسب هذه الأرقام بُعداً اجتماعياً، إذ إن الفئة الأكثر استعداداً للرحيل هي نفسها التي يُفترض أن تؤدي دوراً أساسياً في تكوين الأسرة ورعاية الوالدين مع تقدمهما في السن. "محمد" (32 عاماً)، الذي غادر لبنان للعمل في الكويت، يصف الهجرة بأنها "خيار اضطراري" بعدما لم يعد راتبه يكفي لتغطية احتياجات زوجته وطفليه. ويقول في حديثه مع "ليبانون ديبايت": "غادرت حتى أتمكن من تأمين معيشة عائلتي، وأرسل الجزء الأكبر من راتبي إلى لبنان لدفع تكاليف الدراسة والطبابة ومصروف والديّ أيضاً. أزورهم مرتين في السنة، وأتابع أخبار أولادي بقية الوقت عبر "الڤيديو كول" وأشاهدهم يكبرون من خلف الشاشة، فيما تتحمل زوجتي وحدها مسؤولية تربيتهم ومتابعة تفاصيل حياتهم اليومية. أمّنت لهم استقراراً مادياً، لكن على حساب وجودي إلى جانبهم". تختصر تجربة "محمد" جانباً من التحوّل الذي أحدثته الهجرة في الأسرة. فبحسب الأخصائية في علم النفس الدكتورة هيام علم الدين، أدى توزّع أفراد العائلة بين دول مختلفة إلى ظهور "الأسرة العابرة للحدود"، التي تحاول الحفاظ على وحدتها من خلال التواصل والزيارات والدعم المالي والقرارات المشتركة. وتوضح لـ "ليبانون ديبايت" أن "الهجرة أعادت توزيع الأدوار، فقد تتحمل الأم وحدها التربية اليومية عند سفر الأب أو العكس، وقد يتولى الأجداد جزءاً من رعاية الأطفال، فيما أصبحت العلاقات تعتمد أكثر على التواصل الرقمي". قد تبقى العلاقة العاطفية قوية رغم المسافة، لكنها تصبح، وفق علم الدين، "أكثر عرضة لسوء الفهم، لأن المهاجر لا يعيش التفاصيل اليومية لعائلته". وقد تنشأ "فجوة في التجربة" نتيجة اختلاف البيئة والأولويات بينه وبين أسرته، أو يتحول دوره تدريجياً إلى دور مادي يرتبط بإرسال الأموال أكثر من الحضور النفسي والعاطفي. لكنها تشدد على "أن الهجرة قد تحسّن أيضاً الوضع الاقتصادي والتعليمي للأسرة، وأن المشكلة ليست في المسافة بحد ذاتها، بل في كيفية إدارتها". أما بالنسبة إلى الأطفال، فقد يشعر الطفل، بفقدان الوالد المهاجر رغم إدراكه أن سفره سببه العمل، لأن علاقته بوالديه تقوم أيضاً على الحضور والروتين اليومي والاحتواء. وترى علم الدين أنّه "قد تظهر لدى الطفل أعراض كقلق الانفصال والحزن والغضب والخوف من الهجر، فيما قد يعاني المراهق الوحدة أو التمرد أو الانسحاب". وترى أن "مكالمات الفيديو تعوّض جزءاً من الغياب، لكنها لا تحلّ مكان الحضور الجسدي. فالأهم هو نوعية التواصل، من خلال الاستماع إلى الطفل ومشاركته تفاصيل حياته والتعبير عن الحب، حتى لا يتحول الوالد الغائب إلى مجرد مصدر للمال أو للمحاسبة". تزداد حساسية الظاهرة في بلد يتجه سكانه نحو الشيخوخة. فوفق صندوق الأمم المتحدة للسكان، يشكل من يبلغون 60 عاماً وما فوق نحو 11 في المئة من سكان لبنان، فيما يُتوقع أن تتجاوز نسبتهم 20 في المئة بحلول 2050. وحذّر الصندوق عام 2026 من أن هجرة الشباب أضعفت شبكات الدعم بين الأجيال، وتركت أعداداً متزايدة من كبار السن أمام مخاطر العزلة والإقصاء، فيما يحصل أقل من 10 في المئة منهم على معاش تقاعدي. كما أظهرت دراسة عن أوضاع كبار السن أن نحو 12 في المئة ممن يبلغون 65 عاماً وما فوق يعيشون بمفردهم، وترتفع النسبة إلى 17.3 في المئة لدى النساء مقابل 6.2 في المئة لدى الرجال. لكن الأرقام لا تشرح بالطبع، معنى أن يكبر الأه