يعتبر لبنان أكثر بلد عربي معمر، لأن عدد السكان الذين تخطوا عمر الـ65 سنة يرتفع فيه، وتليه تونس مباشرة، علماً أن نسبة من تخطوا عمر الـ65 سنة قبل الأزمة قاربت 13 في المئة، لكن مع مرور الوقت ومع زيادة هجرة الفئات التي دون عمر الـ65 سنة ارتفعت هذه النسبة وقاربت 15 إلى 17 في المئة. نتيجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتلاحقة والحروب المتكررة، يواجه اللبنانيون هجرة واسعة تسهم في تشتت العائلات. فيسافر الشباب بأعداد هائلة بحثاً عن فرص عمل ومستقبل آمن في مواجهة كل ما يعيشونه في لبنان من فقر وبطالة، وغياب للاستقرار الأمني والسياسي، لذلك يعتبر تشتت العائلات اللبنانية واقعاً مؤلماً أحدثته موجات الهجرة المتتالية التي أتت لتبدل وجه العائلة، فيدركه ويعيشه معظم الأسر اللبنانية، وكأنه أصبح على هذه الأسر أن تشرب هذه الكأس المرة مع هجرة الأبناء التي تحكم على الآباء أن يشيخوا وحيدين. تجلس ميمو أمام شرفتها لتتأمل الأفق وتستعيد أجمل الذكريات مع ابنيها اللذين في الغربة (اندبندنت عربية) تجلس ميمو في منزلها الذي لا تؤنسها فيه إلا صور ابنيها اللذين فرقتهما الغربة عنها، إضافة إلى الشموع التي تضيئها يومياً لهما عندما ترفع صلواتها على نيتهما. ومن شرفتها، تتأمل الأفق بشوق وتستعيد أجمل الذكريات من عقود مضت مع أبنائها. فمن 24 سنة سافر ابنها سهيل إلى البرازيل بحثاً عن مستقبل أفضل، نظراً إلى الأفق المسدود في البلاد، ثم تبعه بعد عام شقيقه ربيع لتجد نفسها وحيدة بين الجدران الأربعة تترقب زيارتهما من وقت إلى آخر. على رغم من مرور الأشهر والسنوات، بقيت الوحدة مؤلمة لميمو ولا تزال تتمنى على ابنيها لو يعودان للبنان ولحضنها الذي يشتاق إليهما ويتوق إلى هذه العودة. تتحدث بحرقة عن هذا الفراق ولا تنكر صعوبته التي تزيد مع مرور الأيام على رغم أن ابنها ربيع حريص على زيارتها مرتين في السنة، أما ابنها سهيل فيأتي من وقت إلى آخر ويتمنى عليها باستمرار زيارته بعد أن تزوج من برازيلية أنجبت صبيين وفتاة تتشوق ميمو لرؤيتهم باستمرار. طوال هذه السنوات، تجد ميمو الملجأ في الصلاة، وتحمد الله لوجود عائلة زوجها في المبنى الذي تقطن فيه ما يبعد منها شبح الكآبة الناتجة من الشوق. من جهتها تتأثر تيريز نادر أثناء حديثها عن أبنائها الذي غادروا البلاد الواحد تلو الآخر، وفي كل مرة كان الألم يزيد أكثر فأكثر. ففي المرة الأولى سافر ابنها إلى فرنسا لتأمين مستقبل أفضل، كان الفقد صعباً آنذاك ووجدت صعوبات كثيرة في تقبله، لكن وجود ابنها الثاني وابنتها بقي يؤنسها في الفترة التي تلت، إلى أن سافر بعدها ابنها الأصغر إلى فرنسا فكانت صفعة جديدة لها، فكانت تفضل أن تبقي غرفته مقفلة حتى لا تراها فارغة. لا تنكر أن ما ساعدها في تخطي هذه التجربة المرة كان وجود ابنتها وأحفادها الذين استطاعوا أن يخففوا عنها، فكانت تستقبلهم يومياً أثناء وجود والدتهم في عملها فيؤنسوها ويملأون عليها حياتها، لكن الضربة القاضية لها كانت بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020 حين اضطرت ابنتها أيضاً إلى الهجرة إلى كندا مع عائلتها بسبب ظروف عمل زوجها، "منذ ذاك الوقت، فقدت حياتي أي معنى وغلب عليها فراغ قاتل، لم أعد أجد سبباً للعيش وأبحث عن حافز لأتغلب على الكآبة التي أعانيها منذ رحيل أبنائي الثلاثة الواحد تلو الآخر. ولولا وجود أصدقاء لي ولزوجي يعيشون كلهم الظرف نفسه بعد سفر أبنائهم وقد وجدوا أنفسهم وحدهم مثلنا تماماً، لكانت الأمور أصعب بكثير علينا. فهم يمضون أوقاتهم معنا، عل ذلك يساعد في الحد من الوحدة التي نشعر بها". مشاعر سلبية كثيرة تخالج نادر بعد تشتت العائلة وابتعاد أبنائها منها، فتعود بالذاكرة لتلك اللحظات التي كانت تجتمع فيها الأسرة حول مائدة الطعام، وتلك التي كان المنزل يعج بأصدقاء أبنائها فتحضر لهم الأطباق الشهية التي ينتظرونها. وكأن كل هذا قد أصبح من الماضي ومجرد ذكريات ليس إلا، فإذا بها تكتفي بتحضير الطعام لها ولزوجها بغياب أبنائها وتتوق إلى اللحظات التي كانت تشعر فيها بالتعب بسبب المسؤوليات التي تتحملها. لهذه الأسباب، تؤكد أن الحياة تبدو فارغة بالنسبة إليها ولا لذة فيها. إلا أن زياراتها تتكرر إلى أبنائها مداورة، فتتنقل بينهم خلال أيام السنة، أما أجمل اللحظات التي عاشتها في الفترة الأخيرة فكانت حيث عادت واجتمعت العائلة طوال ثلاثة أسابيع معاً، وعاد المنزل يعج بالأصدقاء والحياة بمناسبة إقامة حفلة زفاف ابنها الأصغر. بعد هجرة أبنائها الثلاثة، أصبحت حياة تيريز فارغة ولا معنى لها (اندبندنت عربية) كريكور ونيفارت لهما قصة مماثلة أيضاً بعد مغادرة ابنهما وابنتهما لبنان، فقد غادر ابنهما إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من 25 عاماً بعد تخرجه من الجامعة حيث كان متفوقاً، فأراد أن ينتقل إلى المكان الذي يمكن أن يرسم فيه مستقبلاً