عند سفوح جبل الشيخ، حيث تمتد أشجار الزيتون والصنوبر والسنديان، تقف الكفير قرية جنوبية تختزن في طبيعتها وكنائسها ومقاماتها وبيوتها ذاكرة أجيال متعاقبة. قرية صنعت حضورها بأهلها، وحافظت على خصوصيتها الدينية والاجتماعية، وبقي أبناؤها، المقيمون منهم والمغتربون، على صلة وثيقة بأرضهم وبلدتهم الأم. تقع بلدة الكفير في قلب منطقة "وادي التيم"، وتحديدًا على السفوح الغربية لجبل الشيخ، أو جبل حرمون. وتبعد نحو 10 كيلومترات عن مركز قضاء حاصبيا، ونحو 110 إلى 125 كيلومترًا عن بيروت، فيما يتراوح ارتفاعها، بحسب اختلاف نقاط القياس في خراجها، بين نحو 850 و1000 متر عن سطح البحر. ويمتد خراج الكفير على مساحة واسعة، من عين عطا شمالًا، إلى جبل الشيخ شرقًا، وخلوات الكفير جنوبًا، وميمس والقاطع وصولًا إلى البياضة غربًا. هذا الموقع جعل أبناءها يصفونها بـ"بوابة الجنوب"، فيما منحها قربها من جبل الشيخ واتساع خراجها وتنوع تضاريسها مشهدًا طبيعيًا مميزًا، تتداخل فيه الجبال والوديان والكروم، وأشجار الزيتون والصنوبر والسنديان والتين. كان اسم البلدة يُعرف في مراحل سابقة بـ«"كفير الزيت"، في إشارة إلى كثرة أشجار الزيتون فيها، وربما لتمييزها عن قرى أخرى تحمل اسم الكفير. أما اسم «"الكفير"، فتتداول الروايات أنه آرامي الأصل، بمعنى "القرية" أو "الناحية"، وهي اللغة التي كانت متداولة في المنطقة في زمن السيد المسيح. ويبقى الزيتون جزءًا أساسيًا من هوية البلدة، حتى إن أبناءها ما زالوا يعتزون بتسمية "كفير الزيت"، نظرًا إلى شهرتها بإنتاج الزيتون وزيت الزيتون البلدي البكر الممتاز. وإلى جانب الزيتون، تنتشر كروم العنب وأشجار التين ومحاصيل زراعية أخرى، فيما تضم البلدة ثلاث معاصر للزيتون تعمل خلال موسم القطاف. ومن هذه الهوية الزراعية انطلقت فكرة "مهرجان الزيت"، الذي يُقام سنويًا في الثامن من شهر تشرين الثاني، ويتضمن نشاطات ثقافية ورياضية ومسارات للمشي في الأحراج، إلى جانب التعريف بتاريخ الكفير وآثارها وتراثها، في محاولة لوضع البلدة على الخريطة السياحية، ليس فقط كبلدة زراعية، بل كوجهة طبيعية وتراثية أيضًا. التعليم... مدرسة تحمل رسالة لأكثر من سبعة عقود على الصعيد التعليمي، تضم البلدة مؤسسات تربوية عدة، منها ثانوية رسمية تأسست عام 1985 وتخدم أبناء البلدة، وتكميلية رسمية، ومدرسة دار الحكمة الخاصة. وتُعتبر مدرسة الكفير الرسمية من الصروح التربوية العريقة في المنطقة، وقد حملت منذ تأسيسها رسالة التعليم والمعرفة عبر أجيال متعاقبة. وعلى مدى عقود، لعبت المدرسة دورًا محوريًا في بناء مجتمع مثقف وواعٍ، فكانت منارة للعلم أسهمت في تخريج شخصيات بارزة في مجالات متعددة. هكذا بقيت مدرسة الكفير الرسمية، منذ أكثر من سبعة عقود، رمزًا للعراقة والالتزام التربوي، وركيزة أساسية في مسيرة التعليم والتنمية في البلدة. تختلف التقديرات المتداولة حول عدد سكان الكفير والمقيمين فيها، إلا أن المؤكد أن للبلدة امتدادًا بشريًا واسعًا يتجاوز حدودها. ويبلغ عدد المسجلين على لوائح الشطب نحو ألفين وستمائة ناخب، فيما يقيم في البلدة نحو ألفي شخص خلال فصل الشتاء، ويرتفع العدد في الصيف إلى نحو ألفين وخمسمائة شخص، مع عودة عدد من أبنائها من مناطق مختلفة ومن دول الاغتراب. أما الانتشار الكفيري في الخارج، فيُقدّر بعشرات الآلاف، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية وكندا والأرجنتين والبرازيل، إضافة إلى عدد من الدول العربية ودول أخرى. وقد بدأت موجات الهجرة منذ عقود طويلة، ودفعت الحروب والأحداث، ومنها أحداث عام 1860، بعض العائلات إلى مغادرة البلدة والاستقرار في مناطق لبنانية أخرى أو في الخارج. لكن الهجرة لم تعنِ بالنسبة إلى أبناء الكفير قطيعة مع الأرض؛ فالعلاقة مع البلدة بقيت حاضرة عبر الزيارات والمناسبات والمشاريع والروابط العائلية والاجتماعية. ويفاخر أبناء الكفير بما حققه أبناؤها في لبنان والاغتراب. فمن البلدة تخرّج رجال علم وقانون وطب وهندسة وأدب، وبرز منها ضباط وعسكريون وأصحاب اختصاصات وعلوم عليا، وتولى عدد من أبنائها مراكز متقدمة في مؤسسات الدولة والشركات والمؤسسات الخاصة في لبنان والدول العربية. وفي الاغتراب، حقق أبناء الكفير حضورًا لافتًا، فتولى بعضهم مواقع متقدمة في الإدارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، ووصل بعضهم إلى مجلس الشيوخ في دول الاغتراب، فيما حمل آلاف منهم اسم الكفير إلى مختلف البلدان. لا تختصر الكفير بتاريخها الحديث، إذ تختزن في جبالها وخراجها عددًا من المواقع والمعالم التي تشير، بحسب الروايات المحلية، إلى قدم الاستيطان فيها. ومن أبرز هذه المواقع محلة "دير الراهب"، التي يُرجّح أن تكون في زمن قديم مقرًا لأحد النساك أو الرهبان. كما تضم خراجات البلدة مقامي النبي شيث والنبي شعيب، وهما من المواقع الدينية القديمة الم