يوحي الاستهداف الإسرائيلي المتكرر لتلة علي الطاهر ومحيطها بأن تل أبيب تعمل على فصل التلة عن عمقها “اللوجستي”. فمنذ أيام، تتكرر الغارات على مرتفع علي الطاهر، بالتوازي مع قصف محيط تلة الدبشة ودوحة كفررمان، فيما طاولت الضربات مناطق في النبطية الفوقا، بينها حي الدير، وسط ارتفاع واضح في وتيرة الغارات وعمليات التدمير الممنهج. وبحسب مصادر مطلعة على الوضع الميداني، فإن أهمية ما يجري لا تكمن فقط في استهداف التلة نفسها، بل في طبيعة الأهداف التي باتت تدخل تباعاً في دائرة النار. فعلي الطاهر وتلة الدبشة ودوحة كفررمان، وصولاً إلى حي الدير في النبطية الفوقا، تقع ضمن مساحة جغرافية مترابطة، ويبدو أن إسرائيل تتعامل معها باعتبارها منظومة واحدة. وتقول المصادر لـ”ليبانون ديبايت” إن دوحة كفررمان وحي الدير يحظيان باهتمام إسرائيلي خاص، باعتبار أن تل أبيب تنظر إليهما، وفق تقديراتها، كجزء من العمق الذي يمكن أن يوفر دعماً لوجستياً للحضور الموجود في منطقة علي الطاهر. ومن هنا يمكن تفسير جانب من عمليات تدمير المنازل والمنشآت في دوحة كفررمان، ولا سيما أن المنطقة تعرضت خلال الأيام الماضية لسلسلة غارات متكررة بالتزامن مع استهداف المرتفعات المحيطة بها. بمعنى آخر، لم تعد الغاية الإسرائيلية محصورة في إضعاف التلة عبر القصف المباشر، بل باتت تشمل الضغط على بيئتها المحيطة أيضاً. وهذه نقطة عسكرية وسياسية أساسية. فإذا كانت إسرائيل ترى أن استمرار الوجود في علي الطاهر مرتبط بقدرته على الحركة والتواصل والحصول على الدعم، فإن ضرب المحيط يصبح جزءاً أساسياً من معركة الخنق والضغط. وتشير المصادر إلى أن هذا الضغط بدأ يترك أثراً داخل التلة، مع حصول خروج لعدد من الأشخاص منها خلال المرحلة الماضية. ولا يعني ذلك بالضرورة أن التلة أصبحت خالية، أو أن قراراً بالحسم قد اتُخذ، لكنه قد يشير إلى أن الاستهداف المتواصل يهدف إلى رفع كلفة البقاء فيها ودفع الموجودين إلى تقليص حضورهم، قبل الانتقال، إذا قررت إسرائيل ذلك، إلى مرحلة أكثر مباشرة من العمل العسكري. إلا أن هذا الخيار لا يزال غير محسوم، نظراً إلى كلفته العسكرية على إسرائيل، إضافة إلى حساباته السياسية الداخلية. وترى المصادر أن أمام إسرائيل حالياً ثلاثة مسارات محتملة: الأول إبقاء التلة تحت ضغط ناري متواصل لمنع إعادة بناء أي بنية عسكرية فيها والحد من أي حركة منها وإليها. والثاني تحويل القصف إلى عملية عزل تدريجية تستهدف تقليص القدرة على الصمود داخل الموقع. أما الثالث، فهو أن تكون الضربات الجارية تمهيداً لعمل عسكري أكثر تركيزاً إذا لم تؤدِ سياسة الضغط والعزل إلى النتيجة التي تريدها تل أبيب. لكن السؤال الأهم يتجاوز تلة علي الطاهر نفسها: هل تريد إسرائيل التصعيد؟ أم الحرب؟ أم أنها تبحث عن “إنجاز أمني مجاني”؟ الإجابة، بحسب المصادر، ترتبط إلى حد بعيد بما يريده بنيامين نتنياهو الذي باتت حساباته السياسية الداخلية حاضرة بقوة في قراراته. فالحرب الواسعة قد تفتح الباب أمام تأجيل الاستحقاق الانتخابي، وهو خيار قد يلجأ إليه إذا فقد الأمل بإمكان ضمان نجاحه ونجاح تكتله في انتخابات الكنيست. لكن الحرب تحمل في الوقت نفسه مخاطرة كبيرة بالنسبة إليه، إذ يصعب استثمارها انتخابياً إذا عادت الصواريخ إلى السقوط داخل إسرائيل وتكبدت الجبهة الداخلية خسائر، لأن النتائج عندها قد تنقلب عليه سياسياً. أما التصعيد المحدود، فيمكن لنتنياهو استثماره إذا انتهى بنتيجة واضحة يمكن تقديمها للجمهور الإسرائيلي على أنها إنجاز. لكنه يتحول أيضاً إلى عبء إذا فشل في تحقيق أهدافه. لذلك، يبقى السيناريو الأفضل بالنسبة إلى نتنياهو، وفق هذه القراءة، تحقيق إنجاز من دون الذهاب إلى حرب أو حتى إلى تصعيد واسع: دفع خصمه تحت النار إلى التراجع، وتسجيل النتيجة سياسياً وأمنياً بأقل كلفة ممكنة. وهذا تحديداً ما يبدو أن الضغط الحالي على علي الطاهر ومحيطها يسعى إلى تحقيقه. وترى المصادر أنه إذا استمر الاستهداف الإسرائيلي للتلة ومحيطها من دون الانتقال إلى عملية برية أو محاولة سيطرة مباشرة، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن إسرائيل اختارت سياسة “الخنق بالنار”. أما إذا ارتفعت وتيرة الضربات النوعية وترافقت مع تحركات برية، فسيكون ذلك مؤشراً إلى الانتقال نحو محاولة فرض سيطرة فعلية على التلال التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000. والأكيد، بحسب المصادر، أن التمهيد الإسرائيلي بالنار ليس عشوائياً، بل تحكمه أهداف واضحة يحاول حزب الله تجنب المساهمة في تحقيقها عبر الصبر وعدم الانجرار إلى رد يتيح لنتنياهو نقل المواجهة إلى المستوى الذي يريده. فالحزب، وفق هذه القراءة، لا يريد أن يمنح نتنياهو إنجازاً مجانياً، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الدخول في معركة لا أفق واضحاً لها ولا أهداف يمكن ضبطها. وفي هذا السياق، علم “