عاماً بعد عام يخفّ معشر المحتفين بذكرى انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي أعلنت انطلاقتها في السادس عشر من أيلول عام 1982 أثناء تقدم وحدات الاحتلال الإسرائيلية على أكثر من محور داخل بيروت. وبذلك أصبحت بيروت أول عاصمة عربية تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي، وأول عاصمة عربية تتمكن من دحره عن عدد من شوارعها وأحيائها بعد نحو عشرة أيام. لكن هذا العام، وفي ظل ما آلت إليه أوضاع الجنوب اللبناني، يترافق تضاءل عدد المحتفين مع ارتفاع نبرة المقارنة بين تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية ونظيرتها المقاومة الإسلامية، بما يتجاوز النتائج العسكرية إلى طبيعة كلٍّ من التجربتين ووظيفتها. ومنذ انطلاقتها، اتخذت عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مسارًا تصاعديًا، أفضى، بعد نحو سنتين ونصف، ابتداءً من منتصف شهر شباط 1985، إلى إجبار إسرائيل على الانسحاب من أجزاء واسعة من الجنوب اللبناني ومنطقتي البقاع الغربي وراشيا، وحصر وجودها العسكري في شريط حدودي امتد، مع تغير حدوده على مراحل، من أعالي منطقة العرقوب إلى رأس البياضة جنوب مدينة صور، مرورًا بالمناطق الواقعة شرق مدينة صيدا، ومدينة جزين، ومرتفعات إقليم التفاح، والتلال المشرفة على مدينة النبطية. واستمر احتلال هذا الشريط حتى الخامس والعشرين من أيار عام 2000. وإذ لم تغب بعض العمليات العسكرية المنفذة من قبل مجموعات غير منضوية ضمن جبهة المقاومة الوطنية طيلة تلك الفترة، ظلّت الجبهة القوة الأكثر حضورًا في مواجهة الاحتلال خلال تلك المرحلة. تشكّل مرحلة جديدة في العمل المقاوم تزامن الانسحاب الإسرائيلي، في شباط 1985، من أجزاء واسعة من الجنوب مع إصدار «الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين في لبنان والعالم» التي أعلنت في السادس عشر من الشهر نفسه، وهي الوثيقة التي أعلن حزب الله من خلالها وعن تأسيسه وعن هويته السياسية وانطلاق مقاومته الإسلامية. ولا يثبت هذا التزامن وجود علاقة سببية بين الحدثين، لكنه يكشف أن مرحلة جديدة كانت تتشكل في بنية العمل المقاوم في لبنان. خلال الأعوام الثلاثة الأولى التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي الجزئي، أي حتى نهاية العام 1987، نفذت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الإسلامية عمليات عسكرية منفصلة وغير منسّقة ضد القوات الإسرائيلية وميليشيا جيش لبنان الجنوبي. وتركزت غالبية هذه العمليات على المواقع العسكرية المحصنة المنتشرة على الحافة الأمامية للشريط الحدودي، وعلى الوحدات التي كانت تتحرك بين هذه المواقع. وبذلك سادت أشكالٌ من التباري بين المقاومتين، الوطنية والإسلامية، لكن يمكن القول بحسب معايير كثافة العمليات وتنوعها، والحضور الميداني، واتساع رقعة الانتشار، وتنوع المنابت السياسية والاجتماعية والمناطقية والطائفية للمشاركين، أن القوى المنضوية في جبهة المقاومة الوطنية بدت أكثر حضورًا طيلة هذه الأعوام. صعود المقاومة الإسلامية وتراجع المقاومة الوطنية منذ مطلع العام 1988 بدأت تنقلب الصورة، فقد تصاعد نشاط المقاومة الإسلامية بشكلٍ ملحوظ، في حين أخذت عمليات جبهة المقاومة الوطنية تتراجع تدريجيًا، إلى أن توقفت بشكلٍ شبه كلّي في شهر شباط 1994، ولم يخرق هذا التوقف سوى عملية عسكرية وحيدة نفذتها احدى مجموعات جبهة المقامة الوطنية اللبنانية في شهر آب عام 1998. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المقاومة الإسلامية القوة الرئيسية التي تتولى مواجهة الاحتلال، واستمرت في تنفيذ عملياتها بكثيرٍ من الديناميكية خلال الأعوام الستة التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية في الخامس والعشرين من أيار عام 2000. وهكذا انتقل مركز الثقل في العمل المقاوم من جبهة متعددة القوى والمنابت، ذات خطاب وطني جامع، إلى مقاومة أكثر تنظيمًا وتماسكًا، لكنها مرتبطة في خطابها ومرجعيتها بمشروع إقليمي أوسع. ولا يلغي هذا الانتقال قيمة الإنجاز العسكري الذي حققته المقاومة الإسلامية، لكنه يغيّر طبيعة السؤال المطروح حولها: لم يعد السؤال مقتصرًا على قدرتها على إلحاق الخسائر بالاحتلال، بل بات يشمل موقعها من الدولة اللبنانية، وحدود قرارها العسكري، ومدى ارتباط ساحتها الوطنية بصراعات تتجاوزها. ويستمد هذا السؤال مشروعيته اليوم بعد أن عادت أجزاء من الشريط الحدودي الذي انسحبت منه إسرائيل عام 2000 إلى الخضوع لاحتلال جديد. وترافق ذلك، مع عمليات تجريف وتفجير وإزالة لمبانٍ وأحياء في عدد من القرى والبلدات الجنوبية. وهو تطور يأتي في سياق الحرب التي أعقبت دخول حزب الله في مواجهة عسكرية تحت عنوان إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول 2023، ثم في سياق المواجهة التي وُصفت بأنها إسناد لإيران في الثاني من آذار 2026. حيث أعادت نتائج هذه المواجهات فتح المقارنة بين تجربتي المقاومة الوطنية اللبنانية والمقاومة الإسلامية. وتوسعت أوجه هذه المقارنة لتشمل حجم ال