بعد عامين، لا تزال الساعة الثالثة والنصف من بعد ظهر السابع عشر من أيلول 2024 عالقةً، بطريقة أو بأخرى، في أجساد آلاف الأشخاص وفي ذاكرة حزب الله نفسه، وفي ذاكرة اللبنانيين عمومًا. إذ لم يكن ذلك اليوم مجرّد اختراقٍ أمنيّ واسع، ولا مجرّد "فصلٍ مذهل" في تاريخ العمليات الاستخباريّة الإسرائيليّة. بالنسبة إلى المصابين، كانت اللحظة انفجارًا امتدّ من اليد والعين والوجه إلى حياةٍ كاملة تغيّرت بعدها، وإلى عائلاتٍ دخلت معها في رحلة علاجٍ وإعاقاتٍ وعمليّات جراحيّة لا تنتهي. وبالنسبة إلى حزب الله، كانت واحدةً من أكثر اللحظات إيلامًا في تاريخه التنظيميّ، لحظة انكشافٍ دخل منها الإسرائيليّ إلى واحدة من أكثر الشبكات حساسيّة، شبكة الاتصالات نفسها التي لجأ إليها الحزب هربًا من الاختراق الإسرائيليّ للهواتف المحمولة. في ذلك اليوم، انفجرت آلاف أجهزة "البيجر" بصورة شبه متزامنة في الضاحية الجنوبيّة والبقاع والجنوب ومناطق أخرى. وفي اليوم التالي، انفجرت أجهزة اتصال لاسلكيّة أيضًا. وتُظهر مراجعة للأرقام تفاوتًا بين المصادر، من 12 شخصًا قضوا نتيجة التفجيرات ونحو 2800 جريح في اليوم الأوّل، وصولًا إلى حصيلة إجماليّة تراوحت، بحسب الجهات الرسمية والتغطيات المختلفة، بين 37 و42 شهيدًا وأكثر من ثلاثة آلاف مصاب في موجتَي التفجير. لم تكن الإصابات عاديّة. كان نمطها متشابهًا إلى حدّ مرعب، عيونٌ فقدت، أصابع وأيدٍ بُترت، إصابات في الوجه والبطن، شظايا بقيت داخل الأجساد، وأضرار عصبيّة ونفسيّة طويلة الأمد. وفي الذكرى الأولى للعملية، قال ممثّل عن "جمعية الجرحى" التابعة لحزب الله لوكالة "أسوشيتد برس" إنّه لم يكن أيّ من المصابين الذين يتابعهم قد تعافى بالكامل. وهذه تحديدًا هي الجهة الأقلّ ظهورًا من "ملف البيجر". فبينما تحوّلت العملية إلى مادةٍ عسكريّة وسياسيّة ضخمة، بقيت حياة المصابين اليومية، وما تركته الإصابات على أسرهم، أقلّ حضورًا. بعضهم استطاع العودة إلى العمل أو إلى مهمّات مرتبطة بالحزب، وبعضهم دخل في مسارٍ طويل من التأهيل، وبعضهم بقي أسير إصابةٍ أعادت تعريف أبسط تفاصيل حياته. إلّا أنّه وداخل حزب الله، لم يبقَ الجرح منفصلًا عن السياسة والتعبئة. في الذكرى الأولى للتفجيرات، قال الأمين العام للحزب نعيم قاسم للمصابين إنّهم يتعافون ويعودون، وإنّ الهدف كان إخراجهم من وظيفتهم في المعركة لكنهم استمرّوا. وفي الفترة نفسها، نشر الحزب مادةً مصوّرة تُظهر جرحى من تفجيرات البيجر وهم يعودون إلى استخدام منظومات عسكريّة، في محاولة واضحة لتحويل واحدة من أقسى الضربات التي أصابت التنظيم إلى سرديّة قدرة على الاستمرار. المعادلة الدعائيّة كانت واضحة، إسرائيل أرادت أن تجعل الجريح دليلًا حيًّا على قدرتها على الوصول إلى عناصر الحزب، والحزب حاول أن يجعل الجريح نفسه دليلًا على أنّ الإصابة لم تحقق هدفها. وفي المقابل، استعاد الجيش الإسرائيلي الذكرى الأولى بطريقته، فنشر الناطق باسمه بالعربيّة صورةً لأجهزة بيجر مرتّبة على هيئة تاريخ العملية، في استثمارٍ صريح للحدث ضمن الحرب النفسيّة. لكن خلف هذه الصورة بقيت مسألة أكثر حساسيّة بالنسبة إلى الحزب، كيف وصلت آلاف الأجهزة الملغّمة أصلًا إلى داخل شبكته؟ الصفقة التي جاءت بحثًا عن الأمان المفارقة أنّ البيجر دخل منظومة الحزب لأنّه عُدّ أكثر أمانًا. كان الأمين العام السّابق لحزب الله حسن نصرالله قد حذّر عناصر الحزب من الهواتف المحمولة، التي يمكن تعقّبها واختراقها. لذلك اتّجه الحزب إلى وسائل اتصال أقلّ تطوّرًا. وهنا تحديدًا دخلت إسرائيل، وفق التحقيقات التي نُشرت لاحقًا، إلى سلسلة التوريد نفسها. أظهرت تحقيقات "رويترز" أنّ البطّارية داخل أجهزة AR-924 صُمّمت بطريقة تخفي مادّة متفجّرة بلاستيكيّة وصاعقًا يصعب كشفه بالأشعّة، فيما جرى بناء خلفيّة تجاريّة كاملة للمنتج، مواقع إلكترونيّة ومتاجر وصفحات ونقاشات مفتعلة على الإنترنت، لمنحه تاريخًا مقنعًا إذا خضع للتدقيق. وتحدّثت مصادر لـ"رويترز" عن نحو خمسة آلاف جهاز تمّ التلاعب بها، فيما قال مسؤول في حزب الله لاحقًا لـ"أسوشيتد برس" إنّ الحزب كان قد طلب 15 ألف جهاز، وصل منها نحو ثمانية آلاف، وجرى توزيع قرابة نصفها قبل العملية. الأخطر أنّ مؤشّرات صغيرة كانت موجودة أصلًا. بعض عناصر الحزب اشتكوا، وفق رواية المسؤول نفسه، من ضخامة الأجهزة، ومن سرعة نفاد البطّاريات أو ارتفاع حرارتها. وروت "رويترز" أنّ الحزب وزّع أجهزةً من الشحنة حتى قبل ساعات من الانفجارات، بعد عمليات فحص لم تكشف المتفجّرات. وهنا تحديدًا تقع السقطة التي لا يزال الحزب يتعامل معها بحساسيّة، لم يكن الاختراق مجرّد جهازٍ فُخّخ، بل سلسلة شراء وفحص واعتماد وتوزيع استطاعت إسرائيل المرور عبرها حتى النهاية. تحقيق داخليّ... ومحاسبة بقيت خلف الجدران منذ الأيام الأول