ليومين متتاليين انعقد مجلس النواب لمناقشة الحكومة ومساءلتها. يومان كاملان من الخطب والمداخلات والردود والسجالات. مواضيع شتى ومتنافرة ومتناثرة كيفما اتفق، السِّلاح والحرب، الجنوب الرازح تحت وطأة القصف والتوحش الإسرائيلي والاقتصاد الذي يسير على كفّ عفريت. ناهيكَ باتفاق الإطار وخسائر الكهرباء وودائع الضحايا وملفات الإصلاح المنشود. مع كل هذه النقاشات يصعب على الناظر إلى الجلسات أن يدركَ ما الذي تغيَّر وما الذي بقيَ من هذر النواب بعدما انفضَّت الجلسة. تكلَّم نواب الأمّة كثيراً. "علكوا" خطاباتهم لدرجة بدت معها هذه الكلمات المدبَّجة كأنَّها تنتجُ الكلام طبعاً بلا أيّ فاعليَّة سياسيّة. لم تختلف المداخلات عن سيرِها السابقة. فلكلِّ نائبٍ كلمته ومعجمه السياسي الجاهز. وجمهوره الذي ينتخبه كلّ ست سنوات ينتظره في ضيعه وحاراته ومدنه. وما أجمل هذه الفرصة الباهرة ليبرز نائب الأمة ويلقي خطابه ويري أولئك الذين استودعوه أنفسهم وأصواتهم ماذا يفعل من أجلهم. ها هو يلقي خطابه ويدلي بدلوه. وقفَ النواب ليومين متتاليين أمام أهلهم ومتابعيهم متناسين أنّ هذا البلد يعيشُ حرباً وجزءٌ من أرضه محتلَّة وقراه الجنوبيّة البعيدة تُجرَف وتُباد. في مكانٍ آخر "تتناتشُ" هذا البلد الصَّغير أزمته الاقتصادية التي تبلغ عامها السابع دون أيّ مبادرة للحل. ودون أيّ محاولة للسؤال عن الإصلاحات المؤجلة. من جهته جاءَ رئيس الحكومة إلى المجلس بحمولةٍ واضحة. أرقام عن كلفة الحرب والدمار والنزوح والاقتصاد "الفارط"، معبراً عن كلّ هذه التفاصيل بخطاب سياسيّ واضح ودقيق حول التفاوض وحصريَّة السلاح والإصلاح وإعادة الإعمار. لكنَّ مثل هكذا خطاب قطعاً لن يلقى آذاناً صاغية. فبدلاً من أن يمسكَ البرلمان بهذه الملفات من طرفها المهم وجملتها المفيدة. حوَّل هذه الجلسة، في أجزاء واسعة منها، إلى حالة تفاهة سائدة. من الذي يتكلَّم وكم دقيقة ولماذا أعطيَ فلان عشر دقائق بدلاً من خمس. هل من حقِّ فلان أن يعترض وعلتان لم يتكلَّم بعد. وذاك الصهيوني الآخر الذي يجلس هناك يشتم ذاك العميل الإيراني الآخر ويكيلُ له ما تيسَّر من أحابيل الكلام المعسول. وهكذا مما ليسَ بجديد علينا كلبنانيين. اعترض جبران باسيل على اختصار وقت المداخلات، فيما تمسّك نبيه بري بآلية إدارة الجلسة، ودخلت بولا يعقوبيان على خط النقاش حول مدة الكلام وإدارة الميكروفون في سجال محموم مع علي عمار ونالها ما ينالُها دائماً من نصيب في التطاول عليها فقط لأنها سيِّدة ولديها ما تقوله. بدَتْ الجلسات تعبيراً كبيراً عن الانقسام السياسي. فحين قال أنطوان حبشي إنّ اتفاق الإطار يصبح أفضل إذا عُزّز موقف المفاوض اللبناني، وإنّ أنفاق علي الطاهر كان الأولى أن تُسلَّم إلى الجيش اللبناني، داعياً إلى إعطاء الجيش أوامر سياسية واضحة بدل وضعه "على طول ببوز المدفع"، جاءه الرد من نبيه بري: "زن كلامك قبل أن تقول ما قلته وأنا عم بعمل شغلي"، ليبادر إيهاب حمادة وإبراهيم الموسوي ويدخلا على خط السجال دفاعاً عن موقفهما من المقاومة والجيش. أمَّا مداخلة ميشال معوض، فاتخذ معها النقاش منحى أكثر حدّة. دعا إلى بسط سلطة الدولة وربط الخروج من الأزمة بالسيادة والسلام والإصلاح، عندها اتَّسع السجال مع نواب حزب الله، ولا سيما إيهاب حمادة وزياد حواط، وتبادل الطرفان الاتهامات حول المسؤولية عن الحرب والجنوب وما قيل للبنانيين في شأن تلة علي الطاهر. ووصل الأمر إلى قول حمادة لحواط: "أنتم قوات إسرائيلية على البلد"، فيما ردّ حواط بأن "ما حدا بقى بيخاف منكم"، قبل أن يتدخل بري لوقف السجال. بدوره هاني قبيسي قال إن المفاوضات لم تنفع وإن لبنان يفاوض تحت النار، في مقابل حليمة قعقور التي شددت على أن إيران لا تفاوض عن لبنان وأن لبنان يجب أن يفاوض عن نفسه، بينما انتقل رائد برو إلى سؤال تسليح الجيش وموازنة 2027. أمَّا وضاح الصادق وحسين الحاج حسن فدخلا في سجال حول ما سموه "الهدايا" التي تحصل عليها إسرائيل، وانتهى النقاش بتدخل برّي ورفع الجلسة. هكذا بدَتْ الجلسات وكأنَّ خلف كل مقاطعة واتهام وصوت مرتفع يعودُ الخلافُ نفسه. دولة غائبة وتريد أن تستعيد قرارها، وقوى سياسية تختلف على معنى هذا القرار وحدوده وكيفية الوصول إليه، وحكومة مطالبة بتنفيذ المواقف. هذا كلُّه في ظلِّ المواطن المنتظر لأيّ بصيص أمل بعيداً من الكلام الفارغ والحشو. في مداخلته لـ"المدن" يرى الباحث محمد شمس الدين أنّ ما جرى في مجلس النواب على مدى يومين، ليس بالأمر الجديد. هو، في جوهره، المشهد نفسه الذي يتكرّر منذ عام 1990 إلى اليوم. كل ما يُحكى، هو كلام لمجرَّد الكلام. "عم يحكوا حكي ليخاطبوا الناس تبعهم من 1990 لليوم". وبحسب شمس الدين، فإنّ هذه النقاشات لن تغيّر في المسار السياسي، ولا هي مخصّصة أصلاً لاتخاذ مواقف فعلية. "هي بالنهاية كلنا عارفين