تدخل إسرائيل السنة العبرية الجديدة وهي أمام صورة ترى ذاتها أنه قد تبدو أفضل عسكرياً مما كانت عليه بعد 7 أكتوبر 2023، وأكثر تعقيداً سياسياً واستراتيجياً في الوقت نفسه. فقد وسّعت عملياتها العسكرية من غزة ولبنان إلى إيران وسوريا، وواصلت عملها الاستيطاني في الضفة الغربية، ونجحت في إضعاف عدد من خصومها، لكنها لم تحوّل هذه النتائج حتى الآن إلى ترتيبات سياسية مستقرة تمنع عودة ما تعتبره تهديدات أو تحدد شكل المرحلة التالية. تظهر هذه المفارقة بوضوح في رؤية تمير هايمان - الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس معهد دراسات الأمن القومي - الذي قدم عشية دخول العام العبري 5 آلاف و787 تقييماً لمجمل الساحات المحيطة بإسرائيل. ولا تمثل رؤيته إجماعاً إسرائيلياً أو موقفاً رسمياً موحداً، لكنها تعكس اتجاهاً مؤثراً داخل المؤسسة الأمنية يرى أن السؤال لم يعد متعلقاً بقدرة إسرائيل على استخدام القوة، بقدر ما يتعلق بقدرتها على تثبيت نتائجها وتحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية وأمنية قابلة للاستمرار. التفوق العسكري لا يحل المعضلة ينطلق هايمان من تعريف واسع للأمن القومي يضم القوة العسكرية والاقتصاد والمكانة السياسية والدبلوماسية، والمناعة الاجتماعية. ووفق هذا المنظور، تبدو صورة إسرائيل أقل راحة مما توحي به نتائج المعارك وحدها، إذ يرى أن المؤشرات العسكرية تحسنت، وحماس وحزب الله أصبحا أضعف مما كانا عليه قبل الحرب وإيران فقدت جزءاً من قدراتها واكتسب الجيش الإسرائيلي خبرة عملياتية واسعة. ومع ذلك ما زالت الجبهات مفتوحة، ولم تحقق إسرائيل حسماً نهائياً في أي منها. في الداخل، تستطيع إسرائيل الحفاظ على قدرة مرتفعة على التعبئة عندما يظهر تهديد خارجي، بينما يستمر الانقسام السياسي والاجتماعي في الظروف العادية. ويضاف إلى ذلك عبء اقتصادي متراكم يرتبط بالدين العام وكلفة الاحتياط واستمرار التعبئة العسكرية. أما على المستوى الخارجي، فتبدو الصورة أكثر حساسية بسبب تصاعد الانتقادات في أوروبا والولايات المتحدة والخشية من أن يتحول التراجع في الدعم من خلاف مع حكومة إسرائيلية بعينها إلى تحول أعمق في النظرة إلى إسرائيل نفسها. وتكتسب العلاقة مع واشنطن أهمية خاصة في هذا التصور؛ لأن المؤسسة الأمنية لا تنظر إليها كتحالف سياسي يمكن تعويضه بسهولة وإنما كأحد عناصر القوة الإسرائيلية نفسها؛ من خلال التسليح والغطاء في المؤسسات الدولية والعلاقات الاقتصادية والتكنولوجية. بالتالي، يدخل الحفاظ على الدعم الأميركي ضمن تحديات الأمن القومي الإسرائيلي في العام الجديد إلى جانب التهديدات العسكرية المباشرة. إيران والساحة الفلسطينية في صدارة التهديدات تظل إيران - وفق هذه القراءة - التهديد الاستراتيجي الأبرز، لكن جوهر التحدي لا يكمن في إسقاط النظام الإيراني، وإنما في منع طهران من الوصول إلى قدرة نووية وإعادة بناء قدراتها الصاروخية ومحورها الإقليمي. ويرفض هايمان بناء الاستراتيجية على افتراض أن العقوبات والضغط الاقتصادي سيقودان تلقائياً إلى انهيار النظام؛ لأن إسرائيل لا تستطيع ضمان حدوث ذلك أو التحكم في توقيته. ولهذا يعطي الأولوية لمنع التقدم النووي مع الإبقاء على خيار عسكري مستقل بالتوازي مع مسار سياسي ودبلوماسي قادر على فرض قيود على البرنامج الإيراني. في المقابل، تبدو الساحة الفلسطينية أكثر قابلية للانفجار في المدى القصير؛ ففي الضفة الغربية لا يتوقع هايمان انتفاضة شعبية واسعة قريباً، لكنه يحذر من العمليات الفردية ومن تحول انتشار البؤر والمزارع الاستيطانية إلى عبء أمني إضافي. فكل موقع جديد يحتاج إلى الحماية ويوسع انتشار الجيش ويزيد الاحتكاك في وقت تحتاج فيه إسرائيل إلى توزيع مواردها العسكرية على عدة ساحات. وهنا يظهر خلاف داخل التفكير الإسرائيلي نفسه حول العلاقة بين الاستيطان والأمن، إذ ترى قطاعات في اليمين أن توسيع الوجود الاستيطاني يعزز السيطرة، بينما ترى القراءة الأمنية التي يقدمها هايمان أن بعض أشكال هذا التوسع قد تستهلك القوة العسكرية وتولد تهديدات جديدة. أما غزة، فتمثل المعضلة الأكثر تعقيداً؛ لأن إضعاف حماس عسكرياً لم يُنهِ قدرتها على الحكم والسيطرة على السكان والموارد والمساعدات. ومن هنا يعطي هايمان أولوية لنقل الإدارة المدنية إلى حكومة تكنوقراطية، حتى إذا لم يسبق ذلك نزع كامل لسلاح الحركة، انطلاقاً من فكرة فصل التنظيم المسلح عن مؤسسات الحكم والسكان والموارد ثم معالجة بقية عناصر قوته في مراحل لاحقة. لكن هذا التصور يصطدم بمشكلتين: الأولى، أن السياسة الإسرائيلية الداخلية قد تؤجل اتخاذ قرارات تتعلق بالانسحاب أو إدخال قوة دولية أو تحديد شكل اليوم التالي، لأن الحكومة قد تدفع ثمناً انتخابياً لأي خطوة يفسرها خصومها على أنها تراجع. والثانية، أن إسرائيل تعرف بصورة أوضح من تريد إخراجه من الح