ما أن عُرض فيلم "نازا" في مهرجان البندقية ونال التصفيق والتقدير والجائزة حتى انفجر الغضب في إسرائيل لأكثر من سبب وذريعة. فالفيلم في نظر قادة إسرائيل ليس أقل من "عملية إرهابية دولية" تعبّر عن مقدار "الكراهية للسامية" وهي أقرب إلى "فرية دم" جديدة إسرائيل بريئة منها أكثر من براءة الذئب من دم يوسف. وزاد الطين بلة أن الفيلم استُخدم داخلياً في المعركة الانتخابية ضد كل من يمكن أن يعترض على أداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، المتهم دولياً بارتكاب جرائم حرب ترقى لمستوى الإبادة الجماعية. ولا ريب أن الفيلم في الواقع الدولي الراهن ألهب العداء لإسرائيل ووحشيتها في الأوساط الشعبية والإعلامية في كل مكان. فالفيلم هو المتمم للقاعدة الإعلامية التي ترى أن "من يفعل الخير ينال التقدير على فعله"، وأن من يفعل الشر سينال الجزاء. وإسرائيل في حربها الإجرامية في غزة ولبنان على وجه الخصوص، كانت تحاول تغطية الحقيقة بغربال منع الإعلام الأجنبي من الحضور، وتجريم الإعلاميين الفلسطينيين واتهامهم بالإرهاب لنشرهم الوقائع. وعمدت إسرائيل طوال الوقت لادعاء نظافة الكف من الإجرام الحربي، وادعاء أن كل الضحايا المدنيين ليسوا كذلك بل هم جزء من المنظومة الحربية المعادية. ورقم 20 ألف طفل بين ما يزيد عن 70 ألفاً من الضحايا وأكثرهم من النساء والشيوخ، اعتُبر "أضراراً جانبية" لفعل حربي مبرر. وجاء الفيلم الذي يحمل اسم "نازا" ليفضح الجريمة من الداخل. و"نازا" ليس اسم تحبب للعبة أطفال وإنما هو الاختصار الذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي لتعبير "أضرار جانبية". فتعبير "نيزك أغابي" باللغة العبرية والذي يعني "ضرر جانبي" أو "ضرر عرضي"، جرى اختصاره بـ"نازا"، حيث يشير تقنياً إلى عدد المدنيين الأبرياء الذين تتوقع المخابرات مقتلهم في غارة جوية محددة. والفيلم الذي حقق بعد فوزه بجائزة مهرجان البندقية، رقماً قياسياً في التصفيق تخطى الـ24 دقيقة بعد أن كان فيلم "صوت هند رجب" قد حقق رقماً قياسياً سابقاً وصل إلى 22 دقيقة، هو من إخراج الإسرائيليين يوفال إبراهام وراشيل شور. ويُعتبر الاستقبال بالتصفيق الأضخم والأطول في مهرجان البندقية، حيث يعرض بشكل مفصل الأنظمة التقنية الكامنة خلف القتل الجماعي للفلسطينيين في غزة وبينها أنظمة ذكاء اصطناعي. يُذكر أن المخرجين أبراهام وشور شاركا في الماضي مع فلسطينيين في إخراج فيلم "لا وطن آخر" الذي وثّق مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من بيوتهم في جنوب الضفة الغربية، والذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025. والفيلم من إنتاج جهات عديدة، من بينها صحيفة الغارديان، والمنتج جيمس ويلسون من شركة "JW Films"، بينما يشغل جوناثان جليزر منصب المنتج التنفيذي. كما أن الفيلم أضيف إلى قائمة الأفلام المشاركة في المهرجان بعد حوالي شهر من نشر البرنامج الكامل للمهرجان رسمياً في تموز/يوليو الفائت. وحسب المخرجين، تم العمل على الفيلم بجهد مكثف طوال الأعوام الثلاثة الماضية حيث كان موضوع الفيلم المركزي ليس فقط ما حدث في حرب الإبادة الجماعية في غزة، وإنما كيف اتُّخذت قرارات القتل والاستهداف داخل المنظومة الإسرائيلية بشكل واعي ومخطط، وكيف تحوّل تعبير "نازا" إلى طريقة حساب عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في كل غارة عسكرية. وتوضح بعض الشهادات في الفيلم، أن الأمر لا يتعلق بخطأ عسكري عابر، وإنما توفر آلية عمل تجعل قتل المدنيين هدفاً معلناً ومحسوباً. وبحسب ما نُشر، فإن الفيلم الوثائقي استند أساساً إلى محتوى سبق نشره في وسائل إعلام يسارية إسرائيلية، مثل مجلتي "972+" و"سيحا مكوميت"، بالإضافة إلى تقارير في صحيفة "الغارديان" البريطانية، نُشرت بين عامي 2023 و2025. ونظراً لحساسية الأمر تم تصوير الفيلم الوثائقي بسرية تامة وفي ساعات متأخرة من الليل فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، عبر مقابلات مع ما لا يقل عن 24 ضابطاً وجندياً، بينهم أشخاص مرتبطون بوحدة الاستخبارات 8200، ممن خدموا في حرب غزة. وتشهد الانتخابات العامة الإسرائيلية معركة شديدة حول 7 أكتوبر ونتائجها ودور أطراف الحكومة والمعارضة فيها. ولأن هذه المعركة تتمحور حول شخص رئيس الحكومة ودوره فيها، يتعاظم التركيز على نظرية المؤامرة والتي بلغت ذروتها في تلميح زوجة نتنياهو إلى أن قادة حاليين وسابقين في الجيش سمحوا بوقوع الطوفان لإسقاط زوجها. وأشارت مثلاً إلى أن الجنرال يائير غولان كان مستعداً بلباسه العسكري للمشاركة في التصدي للفلسطينيين لأنه كان يعلم بما سوف يحدث. وجاء فيلم "نازا" ليؤكد لأصحاب هذه النظرية "صدق" اتهاماتهم من خلال الإشارة إلى أن "يساريين" في الجيش والاستخبارات، يقفون وراء الفيلم لتدمير صورة إسرائيل. وتشارك أغلب قوى اليمين وعلى رأسها الليكود، في إشاعة نظرية المؤامرة: الخونة اليساريون تعاونوا مع حماس ونسّقوا معها هجوم 7 أكتوبر، وهم يُكم