لم تعُد المواجهة بين روسيا والدول الأوروبية محصورة في خطوط القتال داخل أوكرانيا، بل تحولت إلى صراع يمتد من داخل أوروبا إلى الممرات البحرية وشبكات التجارة وقنوات التفاوض. فمن برلين، حيث تتصاعد المخاوف من التخريب والحرب الهجينة وصعود اليمين المتطرف، إلى باب المندب حيث يهدد الحوثيون الملاحة، وصولاً إلى موسكو وكييف حيث تحاول واشنطن فتح مسار تفاوضي، تتشكل جغرافيا جديدة للضغط والصراع. ولا يعني الربط بين هذه الساحات وجود خطة روسية واحدة، بل يكشف عن استفادة موسكو من اتساع دائرة الاضطراب وتعدد مصادر الضغط على الخصوم الغربيين، في لحظة تتداخل فيها الحرب العسكرية مع الاقتصاد والأمن والطاقة والتجارة. انتقلت الأزمة بين موسكو وبرلين من العقوبات والدعم العسكري الألماني لأوكرانيا إلى مجال الأمن الداخلي، ففي آب/أغسطس الماضي، عثرت السلطات الأمنية على طائرة مسيرة مزودة بعبوة ناسفة قرب طائرات شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ، فيما ذكرت تقارير عن طائرات أخرى مرتبطة بالحادثة. وقال وزير الداخلية الألمانية ألكسندر دوبرينت، إن فحص المعدات والمعطيات الاستخباراتية قاد إلى الاشتباه بتورط روسي، في حين نفت موسكو ذلك واتهمت برلين بفبركة الأدلة. وتكمن أهمية الحادث في موقعه ودلالته، فالمطار جزء من شبكة لوجستية تستخدم في نقل المعدات ويخدم شركة "أنطونوف" الأوكرانية، مما يجعله حلقة في البنية الداعمة للمجهود الحربي الأوكراني. وردت برلين بتشديد القيود على النشاط الروسي، بينما لوحت موسكو بإجراءات مقابلة. لكن التحول الألماني أعمق من موضوع حادثة حصلت، فقد انهار تدريجياً الرهان الذي حكم العلاقة بين الطرفين لعقود، والذي كان قائماً على أن التجارة والطاقة يمكن أن تنتجا استقراراً سياسياً. فألمانيا التي اعتمدت اقتصادياً على العلاقة الروسية باتت تنظر إليها كمصدر تهديد يجمع التجسس والتخريب والتضليل والتدخل في شؤون ألمانيا الداخلية من خلال دعم أحزاب وحركات اليمين المتطرف. وفي المقابل ترى موسكو في الدعم الألماني لأوكرانيا انتقالاً من المنافسة السياسية إلى المشاركة الفعلية في الحرب. منذ أواخر 2023، أدت الهجمات الحوثية في البحر الأحمر وخليج عدن إلى إحداث تحول استراتيجي جذري، إذ حولت الممر المائي الحيوي إلى منطقة ضغط وضعت التجارة الدولية في عين العاصفة. فقد أسفرت هذه العمليات، التي استهدفت بداية السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إلى موانئها تضامناً مع غزة، عن توسيع نطاق المخاطر ليشمل أمن خطوط الشحن العالمية برمتها. لقد استخدم الحوثيون ترسانة عسكرية نوعية تضمنت الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، مما أجبر كبرى شركات الشحن الدولي على تعليق عبورها من باب المندب والالتفاف طوعاً حول رأس الرجاء الصالح. وعلى الرغم من أن المضيق لم يُغلق بالكامل، إلا أن العمليات العسكرية أسفرت عن ارتفاع في تكاليف النقل البحري، وإطالة رحلات سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى استنزاف طاقات عسكرية كبيرة للولايات المتحدة وبريطانيا اللتين اضطرتا لتخصيص موارد إضافية لحماية الملاحة. وتأكيداً على ذلك، أشارت وزيرة الخارجية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في تموز\يوليو 2026، إلى سعي الحوثيين لتكرار نموذج النفوذ والضغط الإيراني الممارس على مضيق هرمز، للوصول إلى وضع جيوسياسي يتجاوز حدود اليمن. وعلى الصعيد الروسي، لا دور عسكري واضح له في هذه الأزمة، إنما يستفيد من تداعياتها، وتشير تقارير استخباراتية إلى وجود أشكال من الدعم غير المرئي. فبينما يرتبط الحوثيون عضوياً بالشبكات الإقليمية لإيران، تقدم موسكو تسهيلات غير معلنة تشمل تقديم بيانات رصد بحري ومعلومات تسهم في تعزيز دقة استهداف الملاحة المرتبطة بالتحالف الغربي، في إطار تنسيق مشترك يهدف إلى إلهاء واشنطن وتشتيت مواردهما بعيداً عن الساحة الأوكرانية. ويتكامل هذا التوظيف الاستراتيجي مع مساعي الكرملين الحثيثة لتعويض تراجع حضوره العسكري في ليبيا بفعل الضغوط الأميركية والأوروبية المكثفة في شمال أفريقيا وشرق المتوسط، حيث تحاول موسكو استثمار اضطرابات البحر الأحمر لتحقيق مكاسب على ساحل البحر الأحمر الأفريقي، لا سيما عبر مفاوضات لإنشاء منشأة بحرية عسكرية في بورتسودان. وبذلك يمثل اضطراب البحر الأحمر حلقة وصل استراتيجية تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط. في 5 أيلول\سبتمبر 2026، وصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين، قبل انتقالهما إلى كييف في اليوم التالي، وحملا وفق تصريح الرئيس دونالد ترامب، مقترحاً أميركياً جديداً لإنهاء الحرب من دون الكشف عن تفاصيله. وتكتسب الزيارة أهمية تتجاوز المسار الديبلوماسي المباشر، إذ تحاول واشنطن اختبار إمكانية تحويل موقعها العسكري والسياسي إلى وزنٍ تفاوضي. لكن الفجوة لا تز