تتقدّم المصالح الاقتصادية إلى واجهة العلاقة المتنامية بين تركيا والولايات المتحدة في سوريا، وسط قراءة إسرائيلية تحذّر من أن تقارب أنقرة وواشنطن لا يقتصر على إعادة الإعمار أو الاستثمار، بل يمتد إلى نفوذ سياسي وعسكري متزايد قد ينعكس مباشرة على موازين القوى في المنطقة وعلى الاحتكاك المتصاعد بين تركيا وإسرائيل. وفي مقابلة عبر إذاعة "103 إف إم" ضمن برنامج البروفيسور أرييه إلداد ورون كوفمان، تناول الخبير في الشؤون التركية الدكتور إيتان حاي كوهين، ما وصفه بالترابط الاقتصادي والاستراتيجي المتزايد بين أنقرة وواشنطن على الأراضي السورية، وانعكاساته المحتملة على إسرائيل. وقال كوهين إنه منذ سقوط نظام الأسد تحولت تركيا إلى لاعب استراتيجي مركزي في المنطقة وإلى وسيط بين سوريا والولايات المتحدة. وأضاف: "بدأت تركيا بإعداد الجولاني. كما توجهوا إلى الولايات المتحدة من أجل رفع العقوبات الأميركية عن سوريا. ما السبب؟ إعادة بناء سوريا". وبحسب كوهين، لدى تركيا مصلحة اقتصادية واضحة في عملية إعادة إعمار سوريا، موضحاً أن قطاع البناء التركي يتمتع بقوة كبيرة، وأن الشركات التركية سبق أن نفذت مشاريع في شمال سوريا. وقال: "قطاع البناء في تركيا قوي جداً. هم بنوا في شمال سوريا، وهم موجودون هناك كقوة احتلال، وهذا ليس سراً. يقولون للأميركيين إنه يمكن تقاسم الأرباح معاً، ويمكننا أن نجني هنا الكثير من الأموال. الأوروبيون أيضاً يدعمون ذلك لأنهم يريدون التخلص من اللاجئين السوريين". وتطرق كوهين إلى التطورات العسكرية التي قال إنها شهدها شمال شرقي سوريا في بداية العام، مشيراً إلى أن قوات النظام السوري دخلت في كانون الثاني الماضي إلى المنطقة الكردية وسيطرت على آبار النفط. وأضاف: "فور السيطرة السورية ماذا رأينا؟ شركة أميركية، شيفرون، وقعت اتفاق تعاون مع شركة النفط السورية الحكومية. هذا يعني الكثير من الأمور". وبرأيه، تتيح هذه التطورات للولايات المتحدة موطئ قدم من نوع جديد داخل سوريا. وقال: "للمرة الأولى في التاريخ تستطيع الولايات المتحدة اختراق سوريا. حتى عام 1918 كان هناك وجود تركي، ثم فرنسي، ثم شيوعي، ثم روسي عادي، وبعد ذلك إيراني، والآن تعود تركيا إلى هناك وتقول للولايات المتحدة: لم تتمكنوا يوماً من الدخول إلى سوريا، ونحن نستطيع أن نمهّد لكم الطريق إلى سوريا". وأضاف: "من وجهة النظر الأميركية هناك مسألة اختراق سياسي. أردوغان يدفع لترامب نقداً، ولذلك يقول ترامب كل يومين تقريباً: إنه رجل قوي ورجل جيد وأنا أحبه". وحذّر كوهين في المقابل من استمرار تعزيز الحضور التركي داخل سوريا في حال لم تتدخل الولايات المتحدة. وقال: "إذا لم تتدخل الولايات المتحدة فسيواصل الأتراك التقدم. لقد وقعوا اتفاقاً مع النظام السوري ولديهم كامل البنية القانونية، كما لديهم القدرة على توفير السلاح والذخائر، بما في ذلك التدريب". ولفت إلى أن مستوى الجيش التركي يشكل عاملاً يتعين على إسرائيل أخذه في الاعتبار، ولا سيما لجهة العقيدة القتالية التي يعتمدها. وقال: "العقيدة القتالية التركية ليست عقيدة دولة عربية مهترئة، بل هي عقيدة الناتو. نحن نتحدث عن مستوى مرتفع جداً وعلينا التفكير في ذلك". وانتقل كوهين إلى الاحتكاك المتزايد بين إسرائيل وتركيا وطريقة تعامل الولايات المتحدة معه، معتبراً أن الرسالة يجب أن تصل إلى واشنطن قبل أن تصل إلى أنقرة. وقال: "قبل أن تستوعب أنقرة ذلك، يجب أن تستوعبه واشنطن. الولايات المتحدة تعتقد أن الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا لفظي فقط، وأنه لن يتحول إلى احتكاك جسدي". وأشار إلى أن الضربات الإسرائيلية في سوريا تهدف، برأيه، إلى توجيه رسالة واضحة إلى أنقرة. وأضاف: "ما رأيناه قبل نحو أسبوع في القصف الإسرائيلي، وكذلك في نيسان من العام الماضي، هو في الأساس خط أحمر، وإعلان إسرائيلي بأن إسرائيل لا تريد أن ترى أي وجود تركي في وسط سوريا. نحن لا نريد رؤيتهم في جنوب سوريا، ولا نريد اختراقاً تركياً، ولسنا معنيين برؤية ذلك". وفي ختام حديثه، أعرب كوهين عن أمله في أن تصل الرسالة أيضاً إلى واشنطن، معتبراً أن الولايات المتحدة تتجاهل في الوقت الحالي حجم الاحتكاك. وقال: "الولايات المتحدة تتجاهل ذلك، وأنا آمل جداً أنه بعد هذا القصف في منطقة إدلب، وهي منطقة نفوذ تركية، أن يكون الأتراك قد فهموا أيضاً، وهم مستغربون جداً من أن إسرائيل قصفت شمال غربي سوريا". وبذلك، يضع كوهين المصالح الاقتصادية وإعادة إعمار سوريا في صلب العلاقة الجديدة بين أنقرة وواشنطن، لكنه يرى في الوقت نفسه أن توسع الحضور التركي داخل سوريا قد يحول هذه الشراكة الاقتصادية إلى عنصر جديد في معادلة النفوذ الإقليمي والاحتكاك مع إسرائيل.