المحامي د. رفيق غريزيفي ساحة النجمة، وقف رئيس الحكومة نواف سلام أمام المجلس كما يقف طبيبٌ شرعيّ أمام جثّة: آلاف الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى، وكلفة قد تبلغ سبعة وعشرين مليار دولار. قال: هذه الحرب لم نخترها ولم نُسأل عنها. فقام إليه الذين لم يسألوا أحداً، ليسألوه لماذا لم يمنعها. هذا هو لبنان: من يُهجّر الناس يُحاسب من يؤويهم، ومن يأخذ البلد رهينةً يسأل الحكومة عن سعر الفدية. ولم يجد رئيس المجلس نبيه بري ما يصف به ما جرى تحت قبّته إلا عبارة «يا عيب الشوم». فلنستعرها عنواناً. وسنرى أنها قيلت في اليوم نفسه مرةً أخرى، لا في وجه من أحرق البيت، بل في وجه من يحاول إطفاءه. قبل أن نسمّي الجوقة، فلنسمِّ النصّ الذي اجتمعت على شتمه: ورقةٌ تعيد الجنوب إلى الدولة، وتقول إن الجيش اللبناني هو الذي يقف على الحدود، لا رجلٌ ملثّم يتلقّى أوامره من عاصمة أخرى. الذين عاشوا أربعين عاماً على «الأرض المحتلة» يخافون اتفاقاً ينهي الاحتلال، لأنه ينهي الذريعة. ومعادلة العهد: دولةٌ واحدة، وجيشٌ واحد، وقرار حربٍ وسلمٍ واحد، من دون نقطة دمٍ لبنانية في الداخل. فمن يرفضها، ماذا يعرض بديلاً؟ لم يُجب أحدٌ في يومين من الكلام. لنبدأ بأصحاب البيت. في العشرين من آب الماضي، استهلّت كتلة "الوفاء للمقاومة" بيانها بذكرى أربعين المرشد الإيراني السابق علي خامنئي. نوّابٌ ائتمنوا على الدستور اللبناني يجدّدون البيعة لمرشدٍ لم ينتخبه لبنانيٌّ واحد، ثم يتّهمون الحكومة بـ"الإذعان لإملاءات الخارج". السؤال الوحيد: وفاءٌ لمن؟وقبل أن يجفّ صوت رئيس الحكومة، نهض علي عمار صارخاً "باقية باقية باقية" ما دام شبرٌ محتلاً. هذا الاستكبار لم يحمِ حدوداً، بل صنع واقعاً جديداً: خمسمئة كيلومتر مربع باتت محتلة. هذه بوليصة تأمين على الاحتلال. ثم استعار زميله بيتاً للإمام الشافعي يصف فيه زميله بالسفيه.، هو نفسه نائبٌ عن بعلبك الهرمل يقول لنائبٍ عن جبيل إنه "الآخر" في بلده. هذا صكّ ملكية: البلد عندهم عقارٌ ونحن فيه مستأجرون بشرط الصمت، فإذا تكلّمنا صرنا "سفهاء" و"قوات إسرائيلية". أما أدقّ فنون السياسة اللبنانية، فأن تكون في الحكومة وضدّها في آنٍ معاً، وأن تلقّنها أن "الدولة لا تقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تقدّمه للمواطنين". فماذا قدّمت الوزارة للمواطنين حين كان قائلها، النائب علي حسن خليل، وزيراً لها من 2014 إلى 2020؟ ونسأل عن العقوبات الأميركية عليه عام 2020، ومذكرة التوقيف بحقه في تفجير المرفأ التي لم تُنفَّذ. نحن لا نحاكمه، بل نذكّره فقط. والنائبة عناية عز الدين طالبت بصرف الأموال للعائلات المتضررة. ونحن معها، لكن وزارة المال في عهدة وزيرٍ سمّته كتلتها، فالمطالبة موجّهة إلى مكتبٍ على بُعد ممرٍّ من مقعدها. هكذا هم: يبقون في الحكومة كي لا تسقط، وفي المعارضة كي لا تنجح. ثم هدّد باسيل بالانسحاب لأن خمس دقائق لا تكفيه، معلناً: "أنا رئيس المعارضة". خمس دقائق لتيارٍ أمضى خمس عشرة سنة في الحكم؟ الاعتذار وحده يحتاج أكثر. وضع "اتفاق الإطار" في صلب هجومه، وهو الذي وقّع تياره ورقة تفاهم مار مخايل عام 2006، وغطّى السلاح سبعة عشر عاماً بعباءةٍ مسيحية، ليكتشف اليوم أنه "لم يعد بإمكانه حماية لبنان". وصلتَ متأخراً يا معالي الوزير، بعد الصواريخ. أنت أشبه بطليقٍ يعيّر الزوج الجديد بأنه تزوّج المرأة نفسها. والمفارقة أن العبارة التي رماها بري في وجه فوضى نواب الحزب وُجِّهت هي نفسها إلى اتفاق الدولة: "يا عيب الشوم على هكذا اتفاق". هكذا تنتقل الشتيمة كالرصاصة الطائشة: تنطلق من فوق رأس المذنب، وتستقرّ في صدر الدولة. وللإنصاف: عملتُ مع النائبة قعقور ولا أزال، وأشهد أنها تقرأ النص قبل التصويت عليه، وتطالب بحصرية السلاح. ولهذا بالذات، فإن ما قالته أخطر مما قاله علي عمار؛ فعمار لا يُقنع إلا جمهوره، أما هي فتمنح خطابه ما لم يملكه يوماً: شهادةً من خارجه. نعم، ممنوع أن تفاوض طهران عن لبنان. لكن حين يُرفض مسار يفاوض فيه لبنان باسمه، يبقى المسار الذي يُفاوَض فيه عليه، والثنائي يراهن على "مذكرة التفاهم" في عاصمةٍ أخرى. فمن يُسقط "الإطار" في بيروت لا يُسقط التفاوض، بل يُقفل الباب اللبناني في وجه إيران، ويترك لها الشبّاك. أما "الإفساد" الحقيقي، فأن يُكتب في البيان الوزاري أن قرار الحرب والسلم للدولة، ثم تُفتح الجبهة من خارجها. والاتفاقات لا تتبنّى سرديات بل تُنشئ التزامات. لبنان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، وطريقه الوحيدة إعلانٌ بموجب المادة 12 يقبل ولاية المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة على إقليمه، فالبند المُنتقَد لم يُقفل باباً مفتوحاً، بل سجّل حال بابٍ أقفله اللبنانيون منذ ربع قرن، لأن الإعلان يشمل الإقليم لا الطرف، ويُلزم أطراف النزاع كافة، دولاً وجماعاتٍ مسلّحة. ومن يفتح الباب لا يختار من يدخل منه