اختتم رئيس الحكومة نواف سلام جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النوّاب بمرافعة سياسيّة وإداريّة واسعة، حاول من خلالها الردّ على يومين من الانتقادات والسجالات، واضعًا أمام النوّاب معادلةً واحدة حكمت معظم كلمته: لا إصلاح اقتصاديًّا من دون دولة، ولا دولة من دون سيادة وقرار واحد وجيش واحد، ولا خروج من الحرب من دون مسار دبلوماسي يرى أنّ منتقديه لم يقدّموا حتى الآن بديلًا أقلّ كلفة منه. ولم يكتفِ سلام بالدفاع عن حكومته، بل أعاد جزءًا كبيرًا من الاتهامات إلى إرث سياسي وإداري راكمته الحكومات والسلطات المتعاقبة، من الكهرباء والاتصالات إلى المحاصصة والتعيينات. وبين اعترافه بأنّ المفاوضات لم تحقّق أهدافها بعد، ودفاعه عن الاستجابة الاجتماعيّة خلال الحرب، وأرقامه عن عودة النازحين والكهرباء والإسمنت، انتهى إلى تثبيت وجهة حكومته: إصلاح مالي واقتصادي، حصر السلاح بيد الدولة، انسحاب إسرائيلي كامل، وإعادة إعمار، باعتبارها، وفق رؤيته، مسارات متلازمة لا ملفات منفصلة. سلام: المواطن محقّ في الشكوى من غياب الدولة بدأ سلام ردّه باعتراف واضح بحجم الهوّة بين توقعات اللبنانيّين وقدرة الدولة على تلبيتها، فقال إنّ المواطن الذي يطالب بوجود الدولة "محقّ في مطلبه"، كما أنّ من يشكو غيابها "محقّ في شكواه". وأقرّ بأنّ سقف التوقّعات ارتفع عند تشكيل حكومته، قبل أن يصطدم بما وصفه بالواقع الصعب الذي زادت الحرب من تعقيداته، متعهّدًا بألّا يتحوّل الاعتراف بهذه الصعوبات إلى ذريعة لخيبة جديدة. لكنّه رسم منذ البداية أيضًا حدود ردّه، مميّزًا بين الأسئلة التي تحتاج إلى أجوبة، وبين ما اعتبره كلامًا قيل "طلبًا للصدى لا للجواب"، في إشارة واضحة إلى السجالات السياسيّة التي رافقت الجلسة. المفاوضات: "بأيّ لبنان نذهب إلى الطاولة؟" وكان الملف السيادي في مقدّمة ردّ سلام، وخصوصًا الانتقادات التي طالت "الإطار الثلاثي" ومسار التفاوض مع إسرائيل. فأكّد أنّ هذا الإطار "سياسي للمفاوضات"، وليس اتفاقًا أو معاهدة بالمعنى القانوني، رافضًا الطرح الذي يقول إنّ لبنان خرج من خلاله عن القرارات الدوليّة أو عن مبادرة السلام العربيّة أو ثوابته التقليديّة. وفي المقابل، لم يحاول رئيس الحكومة تجميل حصيلة المفاوضات. فأقرّ صراحةً بأنّ "النتائج التي نريدها" لم تتحقّق بعد، إذ لم تتوقّف الاعتداءات الإسرائيليّة، ولم تنسحب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانيّة، ولا يزال أسرى محتجزين، فيما يعجز عدد من الأهالي عن العودة إلى بلداتهم وقراهم. لكنّ سلام وضع خطًّا فاصلًا بين الإقرار بفشل تحقيق النتائج حتى الآن وبين إعلان فشل المسار نفسه، مشدّدًا على أنّ "المفاوضات لم تنتهِ بعد". ومن هنا نقل النقاش إلى سؤال آخر: "بأيّ لبنان نذهب إلى التفاوض؟". وبالنسبة إليه، لا تُبنى القوّة التفاوضيّة بالسلاح وحده، بل بوحدة الموقف الداخلي ووقوف اللبنانيّين خلف الدولة، وتمكين الجيش من أداء مهمّاته، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل أراضيها، فضلًا عن استعادة ثقة الدول العربيّة والدوليّة بمؤسّسات لبنان. "جيش واحد"... ولا عودة إلى حروب لم تخترها الدولة وذهب سلام إلى جوهر الخلاف السياسي حول السلاح وقرار الحرب والسلم، فقال: "لسنا شعوبًا تعيش في بلد واحد"، مضيفًا: "نريد أن نكون شعبًا واحدًا، في دولة واحدة، يحميه جيش واحد". ورفض تقديم هذا الطرح بوصفه وجهة نظر فريق سياسي في مواجهة آخر، معتبرًا أنّه "ببساطة، فكرة الدولة". كما رفض الاتهامات الموجّهة إلى حكومته بأنّ طلب الدعم العربي والدولي يمثّل انخراطًا في محور أو استقواءً بالخارج، مؤكدًا أنّ المقصود هو دعم الدولة ومؤسّساتها لا تمكين فريق لبناني في مواجهة فريق آخر. وفي واحدة من أكثر فقرات كلمته سياسيّةً وحدّة، واجه سلام منتقدي خيار التفاوض بسؤال مباشر: من يملك طريقًا آخر يوقف الاعتداءات، ويحرّر الأرض، ويعيد الأسرى والأهالي إلى قراهم "بكلفة أقلّ على لبنان واللبنانيّين"، فليقدّمه. ورفض تحميل الدولة نتائج حروب لم تكن صاحبة قرار خوضها، معتبرًا أنّ زجّ البلاد "مرّة بعد مرّة" في حروب لم تخترها، ثم تحميل الدولة مسؤوليّة النتائج عندما تحاول إخراج لبنان منها، لا يشكّل بديلًا عن الدبلوماسيّة والتفاوض. كذلك، أقرّ سلام بالمخاوف المرتبطة بانتهاء ولاية "اليونيفيل"، معلنًا العمل مع الشركاء الدوليين لضمان استمرار حضور دولي فاعل في الجنوب يواكب الجيش ويساعد على تثبيت الاستقرار. سوريا: من إدارة النزوح إلى تنظيم العودة وفي ملف العلاقة مع سوريا، حاول سلام تقديم سياسة حكومته بوصفها انتقالًا إلى علاقة بين دولتين، تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة وعدم التدخّل، مع مراجعة الاتفاقات السابقة وتوسيع مبدأ المعاملة بالمثل. ودافع عن الاتفاق المتعلّق بنقل سوريين محكومين في السجون اللبنانيّة لاستكمال محكوميّ