تهويل حزب الله تخطى الساحات والمنابر ودخل إلى مجلس النواب. لكن المشكلة بالنسبة إلى الحزب لم تعد في خصومه. المشكلة أن التهويل نفسه يفقد مفعوله. ما شهدناه في جلسة مناقشة الحكومة كان واضحاً: اعتراضات، صراخ، سجالات، وردود حادة كلما طُرح موضوع السلاح وقرار الحرب والسلم. وقد شهدت الجلسة بالفعل مواجهات كلامية بين نواب حزب الله ومعارضيه حول مسؤولية الحرب والسلاح ودور الدولة. لكن اللبنانيين لم يعودوا أمام المشهد نفسه الذي عرفوه طوال سنوات. السؤال الذي كان محرّماً أصبح يُطرح داخل البرلمان: من يقرر الحرب؟ من يملك السلاح؟ ومن أعطى حزباً واحداً حق تقرير مصير بلد كامل؟ يمكن لحزب الله أن يرفع صوته كما يشاء، وأن يكرر أن «المقاومة باقية»، لكن الصراخ لا يعيد بيتاً مهدماً، ولا يعيد نازحاً، ولا يستعيد أرضاً، ولا يجيب عن السؤال الأساسي: ماذا حققت هذه الاستراتيجية للبنان؟ والأخطر بالنسبة إلى الحزب أن اللبنانيين لم يعودوا يتعاملون مع كل تهديد باعتباره أمراً يستوجب الصمت. وهنا تبدأ أزمة حزب الله الحقيقية. لكن المشهد الأكثر سخرية لم يكن في سجالات حزب الله. فبعد كل الكلام الكبير عن إسقاط الحكومة ومحاسبتها، وصلنا إلى لحظة الحساب الحقيقي. والسياسة، بخلاف الخطابات، فيها عدّ. والأكثر إثارة للاستغراب أن طرح الثقة جاء، بحسب ما جرى في الجلسة، بعدما كان نواب حزب الله قد غادروا القاعة. هنا يصعب إيجاد تعبير أكثر دقة من الهبل السياسي. كيف تخوض معركة ثقة ولا تؤمّن حتى وجود القوى التي يفترض أن تشكل معك الجبهة السياسية ضد الحكومة؟ كيف ترفع سقف المواجهة إلى أقصاه ثم تصل إلى لحظة التصويت وقد غادر جزء أساسي من المشهد؟ وهل كان المطلوب إسقاط الحكومة فعلاً، أم تسجيل موقف للاستهلاك السياسي؟ هذا ليس هجوماً على حق أي نائب في طرح الثقة. فهذا حق دستوري كامل. لكن استخدام أخطر الأدوات الرقابية في البرلمان يحتاج إلى شيء أكثر من الانفعال: يحتاج إلى حساب. إذا كنت لا تملك الأصوات، لماذا تخوض المعركة؟ وإذا كنت تعتقد أنك تملكها ولا تعرف أن حلفاءك سيغادرون قبلها، فالمشكلة أكبر. وإذا كنت تعرف أن المعركة لن تصل إلى مكان، ثم تخوضها فقط لكي تقول إنك خضتها، فنحن أمام مسرح سياسي لا أمام معارضة جدية. أرادوا إحراج الحكومة، فأحرجوا أنفسهم. وفي الإعلام تستطيع أن تعلن الانتصارات. أما في البرلمان، فهناك لحظة يصبح فيها المطلوب رقماً. حتى قبل الجلسة، كانت تقديرات نيابية منشورة تستبعد أن يؤدي طرح الثقة إلى إسقاط الحكومة، فيما قال نواب إن المناخ السياسي لا يشير إلى توافر شروط ذلك. وهذه هي المفارقة: من أراد أن يجعل من طرح الثقة دليلاً على ضعف الحكومة، خاطر بأن يجعله دليلاً على حدود قدرته هو. ليس لأن حزب الله لم يعد يملك القوة. بل لأن القوة لم تعد تمنحه القدرة نفسها على منع الآخرين من الكلام. والسلاح أصبح موضوع نقاش علني داخل البرلمان. وهذه وحدها خسارة سياسية لمن اعتاد أن يعتبر السؤال عن سلاحه تجاوزاً للخطوط الحمراء. أما أن ينتهي كل هذا التهويل بمعركة ثقة يدخلها البعض فيما يكون نواب حزب الله قد غادروا القاعة، فهنا تصبح الصورة أقوى من أي تعليق. من كان يريد أن يخيف اللبنانيين، بدأ أحياناً يثير سخريتهم. وعندما تتحول الهيبة إلى استعراض، والاستعراض إلى صراخ، والصراخ إلى معركة لا تعرف مسبقاً كيف ستنتهي، فالمشكلة لم تعد في خصومك. وهذا هو أخطر ما يواجه حزب الله وحلفاءه اليوم: أن يستمروا في التصرف كما لو أن الجميع ما زال يخافهم، فيما جزء متزايد من اللبنانيين لم يعد يخاف حتى من طرح السؤال.