لم تعد الضربات الأوكرانية بعيدة المدى مجرد تهديد للمنشآت الروسية، إذ دفعت المخاوف الأمنية موسكو إلى تغيير مكان أحد أبرز مؤتمرات السياسة الخارجية المرتبطة بالرئيس فلاديمير بوتين، ونقله من سوتشي إلى موسكو، وسط خشية من أن تتمكن المسيّرات الأوكرانية من الوصول إلى الرئيس الروسي وكبار المسؤولين المشاركين في الحدث. وبحسب تقرير للصحافي أساف روزنتسفايغ في موقع "N12" الإسرائيلي، نقلاً عن صحيفة "فايننشال تايمز"، قررت روسيا نقل الاجتماع السنوي لـ«نادي فالداي للحوار» هذا العام من سوتشي إلى موسكو، في ظل تصاعد المخاوف من الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة، وصولاً إلى احتمال تشكيلها تهديداً مباشراً لحياة بوتين. وأفادت مصادر مطلعة بأن القرار اتُخذ على خلفية تنامي حملة الضربات الأوكرانية بالمسيّرات، وبإصرار من جهاز الحماية الرئاسية الروسي المسؤول عن أمن بوتين. ويُعد «نادي فالداي للحوار» أحد أبرز منتديات السياسة الخارجية المرتبطة بالكرملين، وكان من المقرر أن يستمر مؤتمره السنوي 4 أيام بين نهاية أيلول وبداية تشرين الأول في سوتشي، المدينة المطلة على البحر الأسود والتي يملك فيها بوتين أيضاً مقراً رئاسياً. لكن نحو 120 مشاركاً تلقوا خلال الشهر الماضي إخطاراً بتغيير مكان المؤتمر بعدما كانوا قد حصلوا أساساً على دعوات للتوجه إلى سوتشي، فيما أفادت التقارير بأن القرار اتُخذ بطلب من جهاز أمن الرئيس الروسي. وأعلن «نادي فالداي»، يوم الاثنين، انعقاد المؤتمر، لكنه لم يتطرق في إعلانه إلى تغيير موقعه. ويُنظر إلى نقل الحدث من سوتشي إلى موسكو باعتباره مؤشراً إضافياً إلى القلق المتزايد داخل الكرملين من قدرة أوكرانيا على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية، وخصوصاً احتمال وصول المسيّرات بعيدة المدى إلى مواقع يوجد فيها بوتين ومسؤولون كبار. وتعرضت منطقة سوتشي ومنتجعات أخرى على البحر الأسود خلال الصيف لسلسلة هجمات أوكرانية استهدفت مصافي نفط ومنشآت استراتيجية. وبحسب موقع «Agentstvo» الروسي، قُتل ما لا يقل عن 19 شخصاً وأصيب 188 آخرون في هجمات بالمنطقة منذ بدء موسم السياحة في أيار. وأكدت «فايننشال تايمز» أن الهجمات المتكررة في محيط سوتشي باتت عاملاً أساسياً في الحسابات الأمنية الروسية. وفي يوم الجمعة الماضي، استهدفت مسيّرات أوكرانية مصفاة نفط قرب مطار سوتشي الدولي، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية، فيما شوهدت سحابة كبيرة من الدخان الأسود فوق المدينة. كما شهدت سوتشي خلال الأيام الأخيرة هجمات أخرى، بينها هجوم بمسيّرات بحرية أدى إلى إصابة 8 أشخاص وألحق أضراراً جزئية بمنشآت على الشاطئ. وكانت سوتشي على مدى سنوات إحدى أبرز الوجهات التي يقصدها بوتين، إلا أنه لم يزرها منذ مؤتمر «فالداي» العام الماضي الذي عُقد في بداية تشرين الأول. وخلال العامين الماضيين، زار بوتين المنطقة مرتين فقط في كل عام، في تراجع لافت مقارنة بعام 2021، وهو آخر عام قبل بدء الحرب الروسية الواسعة على أوكرانيا، حين زار المدينة 24 مرة. ويأتي نقل المؤتمر في وقت تتزايد فيه قدرة أوكرانيا على تنفيذ هجمات بمسيّرات متوسطة وبعيدة المدى، تعتمد بدرجة كبيرة على تقنيات مطورة محلياً، وتستهدف منشآت الطاقة والخدمات اللوجستية على مسافات بعيدة جداً داخل روسيا. ووصلت بعض الضربات الأوكرانية إلى نوفي أورينغوي، جنوب الدائرة القطبية الشمالية وعلى مسافة تزيد على 3000 كيلومتر من أوكرانيا، ما يعكس مدى توسع نطاق العمليات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية. ويُظهر تغيير موقع المؤتمر مدى جدية تعامل الكرملين مع احتمال أن تشكل هذه المسيّرات تهديداً مباشراً لحياة الرئيس الروسي وكبار أركان السلطة، حتى في أماكن كانت تُعد سابقاً بعيدة نسبياً عن جبهات القتال. وأمضى بوتين معظم وقته هذا العام في موسكو وسان بطرسبورغ ومقره في منطقة بحيرة فالداي شمال روسيا، التي استمد المؤتمر اسمه منها. وكانت روسيا قد اتهمت أوكرانيا في نهاية العام الماضي بمحاولة استهداف مقر بوتين في منطقة فالداي، لكنها لم تقدم أدلة تثبت ذلك. وقبيل الانتخابات البرلمانية الروسية المقررة الأحد، كثف بوتين زياراته إلى الخارج، كما زار مرات عدة مناطق تقع شرق جبال الأورال، في حين تجنب إلى حد كبير مدناً في الجزء الأوروبي من روسيا تقع ضمن مدى المسيّرات الأوكرانية. ويكتسب مؤتمر «فالداي» أهمية خاصة لأنه يشكل منصة رئيسية لعرض توجهات السياسة الخارجية للكرملين، فيما يُنتظر أن يناقش المشاركون هذا العام سؤالاً يتمحور حول مدى إمكان إدارة الشؤون الدولية والتنبؤ بها في ظل أزمة المؤسسات متعددة الأطراف. ومن المتوقع أن يشارك في المؤتمر مسؤولون روس بارزون، بينهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، ومسؤول ملف الطاقة ألكسندر نوفاك، والمستشار الاقتصادي البارز لبوتين مكسيم أوريشكين. وجرت العادة أن يخصص