د.إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي ومستشار دولي معتمد من البورد العالمي الأميركي USA - GTB الخضار التي تصل إلى موائد اللبنانيين تبدو في ظاهرها عنواناً للصحة والغذاء السليم، لكن خلف لونها وشكلها قد تختبئ قصة أخرى: بقايا مبيدات، مواد كيميائية ومنظمات نمو، وأسئلة عن حجم الرقابة التي تسبق وصولها إلى المستهلك. فهل كل ما نضعه على مائدتنا يخضع فعلاً للفحص؟لا تكمن المشكلة في استخدام المبيدات الزراعية بحد ذاته، إذ تُستخدم هذه المواد حول العالم لحماية المحاصيل من الحشرات والأمراض والآفات، لكن الخطر يرتبط بطريقة استخدامها، والجرعات المعتمدة، ونوع المادة، والمدة الفاصلة بين الرش والحصاد.ولهذا تعتمد الجهات الصحية والزراعية حول العالم حدوداً قصوى لبقايا المبيدات في الأغذية، تُعرف باسم Maximum Residue Limits (MRLs)، وهي الحدود التي يفترض ألا تتجاوزها بقايا المبيدات في المنتجات الغذائية عند استخدامها وفق الممارسات الزراعية المعتمدة.لكن ماذا تكشف البيانات المتعلقة بالسوق اللبنانية؟دراسة علمية منشورة في مجلة Food Chemistry تناولت 478 عينة من 49 نوعاً من الأغذية ذات الأصل النباتي في بيروت، وفحصت وجود بقايا 180 مبيداً مختلفاً.وأظهرت النتائج وجود بقايا مبيدات في عدد من العينات، كما تبيّن أن 40 من أصل 58 مبيداً تم الكشف عنها تجاوزت الحدود القصوى المسموح بها في منتج غذائي واحد أو أكثر.ولا يعني ذلك أن جميع المنتجات الزراعية في الأسواق اللبنانية ملوثة أو أن استهلاك الخضار يؤدي تلقائياً إلى الإصابة بالأمراض. لكن النتائج تطرح سؤالاً جدياً حول الرقابة، وعدد العينات التي تخضع للفحص، ونوعية المواد التي يتم البحث عنها.ومن الحالات التي أثارت الانتباه في الدراسة، رصد بقايا من مبيد الكلوربيريفوس (Chlorpyrifos) في الخيار، مع تسجيل تقييم خطر مقلق خصوصاً لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة وأربع سنوات.وهنا تبرز أهمية التمييز بين وجود بقايا مبيد وبين حدوث ضرر صحي مؤكد. فالخطر لا يُقاس بمجرد العثور على المادة، بل يعتمد على تركيزها، ومدة التعرض، وطريقة التعرض، وعمر الشخص، إضافة إلى الخصائص السمية للمادة نفسها.وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض لبعض المبيدات يمكن أن يرتبط بآثار صحية حادة أو مزمنة، بحسب المادة ومستوى التعرض، وقد تشمل بعض التأثيرات الجهاز العصبي أو الجهاز المناعي أو الجهاز التناسلي. كما أن بعض المواد صُنفت من حيث مخاطرها السرطانية، لكن ذلك لا يعني أن وجود أي أثر لمبيد في الطعام يعني تلقائياً الإصابة بالسرطان.من الخضار إلى التربة والمياهالقضية لا تتعلق بصحة الإنسان وحدها.فالمبيدات التي تُستخدم في الحقول يمكن أن تنتقل إلى التربة والمياه، وقد تؤثر بعض المواد في الكائنات الدقيقة التي تلعب دوراً أساسياً في خصوبة التربة وتوازن النظام البيئي.وفي دراسة تناولت مواقع زراعية في لبنان، رُصدت بقايا مبيدات في بعض الخضار والتربة، كما سُجلت تأثيرات على المجتمعات الميكروبية الموجودة في التربة.وهذا يعني أن الاستخدام غير المنضبط للمبيدات قد يتحول من مشكلة مرتبطة بمحصول واحد إلى مشكلة بيئية أوسع، تبدأ من الحقل وتمتد إلى التربة والمياه ثم إلى السلسلة الغذائية.وماذا عن "حقن الكورتيزون"؟في السنوات الأخيرة، انتشرت أحاديث عن استخدام "حقن الكورتيزون" لتكبير حجم الخضار والفاكهة وجعلها تبدو أكبر وأكثر جذباً للمستهلك.لكن من الناحية العلمية، لا يمكن تقديم هذه المعلومة على أنها حقيقة مثبتة في لبنان من دون أدلة موثوقة تثبت استخدامها لهذا الغرض.في المقابل، هناك بالفعل مواد تُعرف باسم منظمات نمو النباتات (Plant Growth Regulators)، ومنها مواد مثل gibberellic acid وethephon، ويمكن استخدامها في الزراعة للتأثير في النمو أو النضج أو خصائص بعض المحاصيل.وقد تناولت دراسات علمية مسألة بقايا بعض منظمات النمو في المنتجات الزراعية، ما يجعل استخدامها خاضعاً، مثل غيرها من المواد الزراعية، لمعايير الاستخدام والجرعات وفترات الأمان والرقابة.وبالتالي، فإن السؤال هو: ما المواد التي تُستخدم فعلاً في إنتاج الخضار والفاكهة في لبنان، وهل يتم التأكد من استخدامها وفق المعايير؟هل الرقابة تسبق وصول الخضار إلى المستهلك؟هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في الملف.فالمستهلك العادي لا يستطيع النظر إلى حبة الخيار أو البندورة ومعرفة ما إذا كانت تحتوي على بقايا مبيد، ولا يستطيع تحديد نوع المادة المستخدمة أو كمية المتبقي منها.الطريقة العلمية لمعرفة ذلك هي التحليل المخبري.ومن هنا، فإن حجم الرقابة لا يُقاس فقط بوجود قوانين أو أجهزة رقابية، بل أيضاً بعدد العينات التي تُفحص، ونوعية المواد التي تبحث عنها المختبرات، وتواتر الفحوص، وما إذا كانت المنتجات المخالفة تُسحب من الأسواق قبل وصولها إلى الم