‎تشهد الساحة الإسرائيلية حالة من الاستقطاب الداخلي والانقسام المجتمعي المترسخ، والتي تجلت في أزمات التعديلات القضائية والصراع بين التيار العلماني والمؤسسة الدينية الأرثوذكسية، وصولاً إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب المتواصلة، حيث تعيش البنية الاجتماعية والعسكرية في إسرائيل تصدعات عميقة تتجاوز الخلافات السياسية التقليدية إلى أزمات وجودية تطال تماسك المجتمع و المؤسسة العسكرية ، التي طالما عُدّت الجدار الأخير للحفاظ على الكيان. ‎في هذا السياق، يُجمل المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية إيلان بابيه أحدث آرائه الصادرة في خطاب رسمي ألقاه في 15 تموز/يوليو 2026 ونشرته صحيفة فلسطين كرونيكل(The Palestine Chronicle)، في أن الصهيونية دخلت فصلها النهائي والأكثر شراسة، مؤكداً أن التوسع العسكري المفرط واختراق الرؤى الخلاصية للمؤسسات أدى إلى إنهاك الجيش وتآكل الشرعية الدولية للإيدولوجية الحاكمة، ويرى بابيه أن هذا العنف المتصاعد ليس دليلاً على القوة بل هو عرض من أعراض احتضار المشروع وإعادة تشكله كأنقاض تعجل بانهياره الهيكلي. ‎تتطابق هذه الرؤية مع ما صرح به المؤرخ البارز آفي شلايم بوضوح في مقابلته مع منصة نوارا ميديا (Novara Media) بتاريخ 21 آذار/مارس 2025 ومقابلته مع شبكة تي آر تي ورلد (TRT World) بتاريخ 8 أيلول/سبتمبر 2025، حيث قال آفي شلايم نصاً: "إن الصهيونية اليوم في طور تدمير نفسها ذاتياً، وما نشهده ليس إلا الأنفاس الأخيرة والعنيفة للغاية للمشروع الصهيوني". وأضاف شلايم في المقابلة ذاتها وفي مساهمته التوثيقية الصادرة ضمن كتاب "الإبادة الجماعية في غزة" (Deluge): "لقد تحولت إسرائيل إلى دولة مارقة وآلة قتل بلا كوابح ولا أفق سياسي، وهي عبر اعتمادها المطلق على القوة الغاشمة تقضي على عقدها الاجتماعي الداخلي وتفقد بوصلتها الأخلاقية والسياسية، ما يجعل استمرارها بصيغتها الراهنة أمراً مستحيلاً وغير قابل للاستدامة"، وهو ما يتكامل أيضاً مع ما يطرحه المؤرخ شلومو زاند في مؤلفاته النقدية من أن افتقار المجتمع الإسرائيلي للهوية الوطنية المتجانسة يحول الدولة إلى كيان يسهل تفككه من الداخل. ‎على الجانب المحافظ والاستراتيجي، يقدم المحلل السياسي والاستراتيجي المحافظ إفرايم عنبر، رئيس مركز القدس للأستراتيجية والأمن (JISS)، قراءة تشخيصية تحذر من المدى الذي يهدد فيه الانقسام الداخلي قدرات إسرائيل الردعية؛ حيث أشار عنبر في دراسة وتحليل نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" (The Jerusalem Post) ونشرة مركز (JISS) بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، إلى أن "الإنهاك التراكمي في صفوف القوات الاحتياطية والاستقطاب السياسي الحاد يؤديان إلى تآكل خطير في الجاهزية العسكرية وفي ثقة المواطنين بالمؤسسة الأمنية"، محذراً من أن "تسييس الخدمة العسكرية واستمرار الصراع حول التجنيد يمثلان ثغرة استراتيجية قد تمنح الأعداء فرصة لاستغلال ضعف الجبهة الداخلية الإسرائيلية". ‎تنعكس أثر الحروب الأخيرة الممتدة ومتعددة الجبهات كعامل تسريع مباشر لتفكك المجتمع الإسرائيلي، حيث أسهم الاستنزاف العسكري المتواصل في تدمير ركائز التضامن المجتمعي وتأكيد عجز الدولة عن تحصيل الأمن أو فرض حسم ناجز. أوجدت هذه الحروب واقعاً ديمغرافياً واقتصادياً مشلولاً بسبب موجات النزوح الداخلي الطويلة من مناطق الشمال والجنوب، والتي كرست شعوراً عاماً بالانكشاف والتخلي لدى المستوطنين والسكان المحليين تجاه الحكومة المركزية. علاوة على ذلك، أدى الإنهاك النفسي التراكمي، وارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية وتراجع الإنتاجية، إلى تقويض أركان الطبقة الوسطى التي تشكل عماد الاقتصاد والخدمة العسكرية، ما أطلق موجة غير مسبوقة من الهجرة العكسية لاصحاب الكفاءات والعقول ورؤوس الأموال للبحث عن استقرار بديل خارج البلاد. ‎يتجلى هذا التفكك في الصراع المحتدم على الهوية بين التيار العلماني الليبرالي المستقر في المراكز الاقتصادية، والذي يرى في توجهات اليمين تهديداً لطبيعة الدولة، وبين التيار الديني القومي والمستوطنين الذين يسعون إلى فرض الشريعة وتوسيع المشروع الاستيطاني، ما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي وفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتصاعد الهجرة العكسية وهروب رؤوس الأموال، إضافة إلى أزمة تجنيد الحريديم واتساع الفجوة بين الشارع العسكري والمجتمع الأرثوذكسي المتشدد الرافض للخدمة العسكرية، وهو ما يضاعف الشعور بعدم العدالة في توزيع أعباء الحرب. ‎لم تكن المؤسسة العسكرية بمعزل عن هذه الأزمات، بل أصبحت في قلب التصدع بسبب طول فترة النزاع وتراكم الأعباء، وتجلى هذا التوتر في مواقف رئيس الأركان إيال زامير وتحذيراته الصريحة للقيادة السياسية، ولا سيما تحذيره العاجل الصادر أمام الكابينت الإسرائيلي بتاريخ 25 آذار/مارس 2026