تتقاطع في المشهد اللبناني اليوم ملامح "إعادة هندسة" قاسية، متعددة الجوانب والاتجاهات، قد تبدو نافرة في الجنوب، لكنها ربما تطال بنية الدولة ومؤسساتها. ويجدر النظر بدقة إلى الصفقة الهائلة التي عقدتها واشنطن مع إسرائيل، والتي تتضمن كمية هائلة من القنابل الخارقة للتحصينات، والمرجح أن يكون لبنان أبرز مكان تستخدم فيها. وتبلغ قيمة الصفقة 2.8 مليار دولار، وتضم 20 ألف رأس حربي من طراز "آي-2000" الخارق للتحصينات. وهذه الصفقة تستبطن تحولاً نوعياً في الرؤية الأميركية لإدارة الصراع. فتزويد تل أبيب بذخائر قادرة على إحداث حفر بعمق 50 قدمًا وقتل كل ما هو حي على مسافة ألف قدم، يعني منحها "ضوءاً أخضر غير معلن" لتدمير البنى التحتية والأنفاق في لبنان. وفي هذا المناخ، تغدو رعاية واشنطن لاجتماع السفيرين ندى معوض ويحيئيل ليتر في واشنطن مجرد "عملية تجميلية"، أو تمهيداً لجولة المفاوضات المنتظرة في تشرين الأول، وربما يكون الحراك السياسي في هذه المرحلة جزءاً من عملية ملء الفراغ السياسي حتى الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول المقبل. فواشنطن تشتري الوقت الدبلوماسي بالسفيرين، بينما تبيع الفاعلية الميدانية لإسرائيل بالرؤوس الخارقة، ما يضع المفاوض اللبناني تحت مقصلة التفاوض تحت النار والتدمير الشامل. وتتجه الأنظار إلى القمة الثلاثية في باريس، الرئيس جوزاف عون، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وملك الأردن عبد الله الثاني، والمؤتمر التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي يطرح إشكالية استراتيجية حادة. فالمعطيات تشير إلى أن المؤتمر لن يكون "مهرجاناً" لتقديم المساعدات، بل هو "محطة تأسيسية لاختبار النوايا". والمجتمع الدولي يربط حجم الدعم بقدرة واستعداد القيادة العسكرية لمباشرة خطة الانتشار، وحصر السلاح، وسد المنافذ والمعابر. ولذلك، يقف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل أمام اختبار دقيق: التمسك بحصرية السلاح ومنع الصدام الداخلي في آن واحد. وخطورة هذا المسار تكمن في أن أي إبطاء في التنفيذ بداعي تجنب الفتنة قد يُفسره الغرب كضعفٍ يُسقط مظلة الدعم، بينما أي اندفاعة غير محسوبة قد تفتح الباب أمام انقسامٍ يهدد البلد. وفي اليوم الثاني لجلسة مناقشة الحكومة، كشفت المشادات الساخنة وتراشق الاتهامات بالكذب والتخوين عن حال "عجز سياسي كامل" تمنع القوى النيابية من إنتاج رؤية موحدة للإنقاذ. فقد أظهرت المداخلات أن اتفاق الإطار تحول إلى مادة للمزايدات السياسية. وتعكس المطالبات المتقاطعة حول الكهرباء والموازنة والتنمية حال تفكك داخلي، فيما تُشكل الوفاة الثانية لسجين خلال 24 ساعة، وإصرار أكثر من 400 سجين في رومية على الإضراب عن الطعام، الوجه الأشد قبحاً للانهيار. فتعطيل قانون العفو العام وخفض العقوبات الاستثنائي عبر الطعون الدستورية والمماطلة السياسية، يحوّلان السجون اللبنانية إلى "مقابر بطيئة" تفتقر إلى أدنى المقومات الإنسانية والصحية. وبذلك، بات ملف السجون قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في أي لحظة. القنابل والتفاوض: ازدواجية الضغط الأميركي ليست المفارقة في المشهد الأميركي قائمة على اجتماع السفيرين وحده، بل في التزامن بين مسارين يكاد أحدهما يناقض الآخر ظاهريًّا: مسار تفاوضي ترعاه واشنطن، ومسار تسليحي يوسّع بصورة كبيرة قدرة إسرائيل على استخدام ذخائر شديدة التدمير. وبحسب المعلومات الأميركية المنشورة، فإنّ الحزمة، التي لا تزال في طور البيع المخطّط له ولم تصبح صفقة نهائية مكتملة الإجراءات بعد، تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، وتشمل 20 ألف قنبلة "MK-84" زنة ألفي رطل، و20 ألف قنبلة "BLU-117"، فيما أفادت "واشنطن بوست" بأنّها تتضمّن أيضًا 20 ألف رأس "I-2000 Penetrator" المصمّم لاستهداف المنشآت المحصّنة وتحت الأرض. هنا تحديدًا يصبح توقيت الصفقة أهمّ من أرقامها. فلا توجد معطيات أميركية معلنة تقول إنّ هذه الذخائر مخصّصة للبنان، لكنّ إدخال القنابل الخارقة للتحصينات في الحزمة يكتسب دلالة لبنانية واضحة في ضوء طبيعة العمليات الإسرائيلية الأخيرة ضد شبكات الأنفاق والبنى التحتية في الجنوب. وقبل أيام فقط، أعلنت إسرائيل تدمير شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض بطول نحو كيلومترين في مرتفعات علي الطاهر، وقالت إنّ الموقع كان يضم صواريخ ومسيّرات وذخائر ومراكز قيادة تابعة لـ"حزب الله". وعليه، لم تعد المعادلة اللبنانية قائمة على سؤال: هل ستكون هناك مفاوضات أم حرب؟ بل على سؤال أشدّ خطورة: أيّ مفاوضات يمكن أن تجري فيما القدرة الإسرائيلية على مواصلة الحرب، أو التهديد بها، تُعزّز بالتوازي؟ الجنوب: الميدان يسبق طاولة التفاوض هذه المعادلة لا تحتاج إلى كثير من التنظير في الجنوب. فالقصف والتفجيرات وعمليات النسف لم تتوقّف، فيما بقيت بلدات مثل المنصوري وبيت ياحون وعيتا الجبل وزوطر ضمن دائرة العمليات العسكرية ال