كيف يمكن للإعلام السوري أن يكون فاعلاً في بناء السلام، بعدما كان أداة للصراع وتبرير القتل وتعميق الانقسام، وأن يبني خطاباً شاملاً قادراً على جمع السوريين حول مستقبل مشترك؟ ينطلق الصحفي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف من هذه المعضلة، ليبني رؤية تتدرج من تفكيك إرث خطاب الإعلام السلطوي، إلى تصميم وظيفة إعلامية تستجيب لمتطلبات مرحلة ما بعد النزاع وبناء السلام، ويقدّم هذا التصور في كتابه "خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير"، الصادر مؤخراً عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر. ويبدأ النايف في الفصل الأول؛ بتفكيك البنية الإعلامية والخطابية التي تشكّلت في ظل حكم النظام البائد، متتبعاً الكيفية التي تحوّل بها الإعلام إلى أداة للتعبئة وترسيخ السلطة وتأكيد مكانتها. وفي الفصل الثاني، ينتقل المؤلف إلى المنطقة التي تتشكّل فيها العلاقة بين السلطة واللغة، متتبعاً الكيفية التي تُوظَّف بها اللغة لإنتاج الهيمنة، وصياغة المعاني التي تُقدَّم من خلالها الوقائع إلى الجمهور. ومن هنا يستلهم من أعمال عالم اللسانيات البريطاني نورمان فيركلف لبناء نموذج "صناعة المعنى"، المكوّن من سبع طبقات (وحدات) تعمل منفردة ومجتمعة، ليحوّل تفكيك الخطاب من قراءة تكشف ما وراء النص إلى أداة تساعد غرف الأخبار على إنتاج نصوص أكثر عدلاً وعمقاً وشمولاً. ويختبر النايف النموذج عبر نماذج تطبيقية يفكّك فيها سرديات النظام البائد، ثم يعيد بناء نقيض افتراضي لها يستوفي وحدات النموذج السبع، فيكشف عملياً كيف يمكن الانتقال من تحليل المعنى الذي أنتجه الخطاب القديم إلى صناعة معنى مختلف؛ يعيد تمثيل السوريين وعلاقاتهم وقضاياهم، ضمن سردية وطنية تتسع لتنوعهم وتفتح المجال أمام سوريا الجامعة. ثم يتغير مستوى السؤال في الفصل الثالث: إذا تغيّر النص، فماذا عن المنظومة التي تنتجه؟ هنا يبحث النايف في طبيعة الإعلام داخل السياق الانتقالي السوري، بوصفه منظومة صغرى تتفاعل مع محيطها السياسي والاجتماعي الأكبر، مستفيداً من نظريات الفعل والبنية الاجتماعية، ونماذج النظم الإعلامية، ونظريات التأثير. ومن خلال تكييف هذه المعارف والبناء عليها والاشتقاق منها، يسعى إلى تكوين استجابة إعلامية تستجيب لتعقيد السياق السوري، وتحويل المعرفة النظرية إلى أدوات يمكن أن تساعد في إعادة بناء وظيفة الإعلام. وهنا ينتقل المشروع من تفكيك ما كان عليه الإعلام إلى التفكير في كيف يمكن أن يصبح. وفي الفصل الرابع، يضع المؤلف هذه الوظيفة في سياق المصالحة المجتمعية، فيبحث أدوار الإعلام في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتمثيل الضحايا، ودعم العدالة الانتقالية، وإتاحة الحوار، وصون الذاكرة العامة، وبناء سرديات سورية جامعة من دون طمس الحقيقة. ويصل هذا المسار في الفصل الخامس، إلى توظيف نظريات التغيير بوصفها جسراً بين المعرفة والممارسة. فالإعلام، وفق الأطروحة، يتحرك عبر أربع حلقات مترابطة: نصوص تنتج معاني، ومعانٍ تترك أثراً، وأثرٌ قد يُفضي إلى تغيير. ومن هنا، يتمثّل اختبار القدرة الإعلامية في الانتقال من إنتاج الرسائل إلى تصميم تدخلات تقود إلى نتائج محددة وقابلة للقياس. وتصبح نظريات التغيير إطاراً يربط بين تحديد المشكلة، وتصميم التدخل، وتحديد مخرجاته ونتائجه، وصولاً إلى قياس الأثر. بهذا المسار، يقدم الكتاب، على مدى 288 صفحة، تصوراً لإعادة بناء وظيفة الإعلام السوري، وتحويله من أداة تكتفي بنقل الوقائع، إلى فاعل مهني يواكب مسار المصالحة، ويسهم في بناء المعنى والتماسك الاجتماعي. صحافي وباحث إعلامي سوري، خريج قسم الصحافة في جامعة دمشق عام 1991. وكتب في "المدن" حول قضايا اقتصادية متنوعة. وسبق أن عمل مشرفاً على صفحة "الاقتصاد العربي والدولي" في صحيفة "الثورة"، ثم مديراً لتحرير صحيفة "جيرون"، كما شغل منصب الأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب النصي، ووظيفة الصحافة في مجتمعات ما بعد النزاع، ودور الإعلام في إعادة بناء المعنى وتعزيز التماسك الاجتماعي.