بدأ العدّ العكسي لرحيل قوات "اليونيفيل" من جنوب لبنان، لكنّ السؤال الأكثر حساسية لا يزال بلا جواب: لمن ستسلّم القوة الدولية مواقعها الواقعة في المناطق التي يستمر فيها الوجود العسكري الإسرائيلي، ولا سيما ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"؟ هذا السؤال يفتح واحداً من أكثر ملفات المرحلة المقبلة تعقيداً، مع انتهاء ولاية "اليونيفيل" في 31 كانون الأول، وبدء البحث في شكل القوة التي قد تخلفها، وطبيعة مهمتها، وما إذا كانت ستتحول من قوة حفظ سلام إلى جهة تتولى التحقق من حصرية السلاح جنوب الليطاني، وربما أبعد من ذلك. وفي حديث إلى "ليبانون ديبايت"، كشفت الناطقة الرسمية باسم "اليونيفيل" كانديس آرديل أن القوة الدولية على علم بوجود نقاشات ومشاورات حول الصيغة التي يمكن أن تعتمد مستقبلاً في جنوب لبنان، لكنها شددت على أن القرار ليس بيدها. وقالت آرديل: "بصفتنا قوات حفظ سلام، نحن هنا لتنفيذ الولاية الموكلة إلينا، وهذا كل ما نقوم به. مجلس الأمن الدولي هو الذي منحنا ولايتنا، وهذه الولاية ستستمر حتى 31 كانون الأول". وأكدت أن تحديد ما سيحدث بعد هذا التاريخ يعود حصراً إلى مجلس الأمن، فيما ستواصل "اليونيفيل" حتى اللحظة الأخيرة تنفيذ مهمتها والمساعدة في استعادة الأمن والاستقرار في الجنوب وعلى امتداد الخط الأزرق. لكنّ التعقيد الأكبر لا يرتبط فقط بهوية القوة البديلة، بل بمصير عشرات المواقع والممتلكات التابعة لـ"اليونيفيل"، وخصوصاً تلك الواقعة داخل مناطق لا يزال الجيش الإسرائيلي موجوداً فيها. وكشفت آرديل أن "اليونيفيل" كانت قد وضعت، بسبب الأزمة المالية التي تواجهها الأمم المتحدة، خطة لتسليم عدد من مواقعها وممتلكاتها إلى الجيش اللبناني. إلا أن اندلاع المواجهات وتصاعدها في آذار أخّرا تنفيذ الخطة، قبل أن تبدأ القوة الدولية أخيراً تسليم بعض المواقع بصورة تدريجية، بما يشمل مداخل مواقع ونقاط تفتيش. وبحسب "اليونيفيل"، تهدف هذه الخطوة إلى دعم توسيع سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من ولايتها. أما الانسحاب النهائي، فتؤكد آرديل أنه ملف منفصل تماماً عن عمليات التسليم الجارية حالياً، إذ بدأت عملية تخطيط خاصة لتحديد مصير المواقع التي لا تزال القوة الدولية تستخدمها عند حلول موعد المغادرة. ويلحظ قرار مجلس الأمن الرقم 2790 إعادة ممتلكات "اليونيفيل" ومواقعها خلال العام المقبل، لكنّ المشهد الذي كان قائماً عند صدور القرار في آب الماضي تبدّل جذرياً. فالوجود العسكري الإسرائيلي المستمر، واتساع النشاط العسكري في المنطقة، جعلا عملية التسليم أكثر خطورة وتعقيداً، ولا سيما في المواقع الواقعة ضمن المناطق التي لا تخضع فعلياً لسلطة الدولة اللبنانية. وأكدت آرديل أن التخطيط مستمر للوصول إلى أفضل آلية تسمح بتسليم المواقع إلى الجيش اللبناني عند الانسحاب النهائي، موضحةً أن العملية ستشمل تسليماً رسمياً للممتلكات إلى السلطات اللبنانية. غير أن الشكل النهائي لهذا التسليم لم يُحسم بعد، وكذلك الآلية التي ستُعتمد في المواقع الواقعة داخل مناطق الوجود الإسرائيلي. وهكذا، بدأت "اليونيفيل" فعلياً توضيب مرحلة تمتد لعقود، لكنّ أخطر ما ستتركه خلفها لا يزال معلّقاً: مواقع دولية داخل منطقة متنازع عليها ميدانياً، جيش لبناني يُفترض أن يتسلّمها، ووجود إسرائيلي قد يمنع وصوله إليها. حتى الساعة، لا تملك "اليونيفيل" جواباً نهائياً. والوقت المتبقي حتى 31 كانون الأول يتقلص، فيما تتحول مسألة كانت تبدو إدارية إلى عقدة عسكرية وسياسية قد تحدد شكل جنوب لبنان بعد رحيل القبعات الزرق.