بين أنقاض منزله في حي جوبر بالعاصمة السورية دمشق، يحاول محمد زيدان (62 عاماً) أن يتمسك بالحياة بطريقة تبدو بسيطة، لكنها تحمل بالنسبة إليه الكثير من المعاني والذكريات. واختار الرجل الذي فقد ابنه خلال سنوات الحرب، ثم فقد زوجته التي لم تحتمل الحزن على ولدها، أن يملأ جزءاً من المكان الذي دمرته الحرب بالنباتات، فزرع في باحة منزله عدداً من الخضروات ونباتات الزينة، كما استخدم إناءً بقي من مقتنيات زوجته واخترقته شظية ليزرع فيه النباتات أيضاً، حسبما نقلت وكالة "الأناضول" التركية. ويعيش زيدان وحيداً في مبنى آيل للسقوط في حي جوبر، أحد أحياء دمشق التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، لكن ما بقي من المنزل بالنسبة إلى زيدان ليس مجرد جدران وأنقاض، بل مكان تختلط فيه آثار الحرب بذكريات الأسرة، ما دفعه إلى محاولة تغيير المشهد المحيط به، ولو بحديقة صغيرة. وقال زيدان أن النباتات التي يزرعها وسط الدمار تمثل بالنسبة إليه وسيلة للحفاظ على ذكرى ابنه وزوجته، والنظر في الوقت نفسه إلى المستقبل بشيء من الأمل. وأشار إلى أن الحديقة الصغيرة التي أقامها بين أنقاض منزله تساعده على تغيير الصورة التي خلفتها الحرب. وأضاف: "هذا الزرع يغير قليلاً من مشهد الأنقاض هنا. هذه الخضرة تشرح صدر الإنسان قليلاً". ولا يقتصر ما يزرعه زيدان على نباتات الزينة، بل يزرع في حديقته أنواعاً مختلفة من الخضروات، ووصف طريقته في الاعتناء بها ببساطة قائلاً: "نرش عليها قليلاً من الماء، ونزرعها، وأحياناً نأكل من ثمارها. أحاول فقط تغيير المشهد". وبالنسبة إلى زيدان، لا يتعلق الأمر بالحصول على محصول زراعي بقدر ما يتعلق بما تمنحه هذه المساحة الخضراء من أثر نفسي. فوسط الدمار الذي يحيط به، أصبح الاعتناء بالنباتات جزءاً من محاولته استعادة إحساس افتقده خلال سنوات الحرب. وقال زيدان: "رؤية الطرق تعود إلى العمل من جديد، ورؤية الناس يعملون، ووجود الأمن، ووجود النباتات، ورؤية كل شيء يعود إلى الوجود من جديد، كل ذلك يجعلني أشعر بتحسن نفسي". وربط زيدان النباتات مباشرة بذكريات أفراد أسرته الذين فقدهم، قائلاً: "زوجتي وابني كانا يحبّان هذه النباتات. لذلك واصلت زراعتها من أجلهما". ولم يكن الدمار الذي يحيط بزيدان مجرد مشهد شاهده من بعيد، بل عاشه داخل منزله، حيث تعرض المنزل لقصف شديد خلال الحرب. واختصر حجم ما حدث بجملة قصيرة تختزن جانباً من قسوة تلك السنوات: "انهارت خمسة طوابق فوقنا، كلها تهدمت". وبين الركام، عثر زيدان على بعض الأدوات والمقتنيات المنزلية التي قرر الاحتفاظ بها، لا لقيمتها المادية، وإنما لأنها تحمل ذكريات من حياة لم تعد موجودة. وقال زيدان: "تركتها كتذكار حتى لا تضيع هذه الذكريات، وحتى أواصل الحياة مع ذكرى من فقدت". وأصعب ما مر به زيدان لم يكن تدمير المنزل بل فقدان ابنه سمير. وقال أن أصعب حادثة عاشها في حياته كانت اعتقال ابنه، موضحاً أن سمير اعتقل في 31 كانون الأول/ديسمبر 2012. وعلمت الأسرة لاحقاً أن ابنها شوهد للمرة الأخيرة عند حاجز نهر عيشة في دمشق، قبل أن ينقطع أي خبر عنه. ومنذ ذلك الوقت، بدأت رحلة طويلة من البحث والسؤال، حيث لم تترك الأسرة مكاناً يمكن أن تقصده بحثاً عن ابنها إلا وتوجهت إليه. وأشار زيدان إلى أنهم خلال فترة حكم النظام المخلوع تلقوا معلومات عن مراكز احتجاز مختلفة، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ابنهم أو معرفة مصيره. وكانت الأسرة تعتقد أن سمير موجود في "سجن صيدنايا" لذلك ظلت متمسكة بأمل العثور عليه حياً. ومع سقوط نظام بشار الأسد والإفراج عن المعتقلين، عاد الأمل إلى الأسرة من جديد، حيث اعتقدت زوجة زيدان وأفراد العائلة أن ابنهم ربما يكون بين الأشخاص الذين أطلق سراحهم، وأن سنوات الانتظار ربما تنتهي أخيراً بلقائه. وقال زيدان أن عمليات البحث شملت مناطق ومواقع عديدة، من بينها حي العباسيين و"سجن صيدنايا" وساحة الأمويين، لكنهم لم يجدوا ابنهم. ثم جاء الخبر الذي أنهى سنوات الانتظار، لكنه فتح جرحاً آخر في الأسرة. وقال زيدان: "تلقينا خبر وفاة ابني. وبعد بضعة أيام توفيت زوجتي من شدة حزنها عليه". وبعد فقدان ابنه ثم زوجته، وجد زيدان نفسه وحيداً في المكان الذي شهد جزءاً كبيراً من حياته، محاطاً بأنقاض الحرب وبأشياء قليلة بقيت من الماضي. ومن بين تلك الأشياء إناء تركته زوجته واخترقته شظية، فاحتفظ به واستخدمه لزراعة النباتات بدلاً من التخلص منه، ليصبح الإناء الذي يحمل أثر الحرب وعاءً تنمو فيه الحياة. كما واصل زراعة باحة منزله بالنباتات، في محاولة لإضفاء بعض اللون والحياة على المكان الذي خلفت فيه سنوات القصف آثاراً عميقة.