يشهد جنوب لبنان مرحلة جديدة من التوتر الميداني تتداخل فيها العمليات العسكرية مع محاولات تثبيت وقائع جديدة على الأرض، فيما تبرز المواقع المرتفعة والاستراتيجية باعتبارها نقاطًا مؤثرة في طبيعة المواجهة. ويثير ما جرى في تلة علي الطاهر، وما سبقه من تطورات في مواقع أخرى، تساؤلات حول حقيقة التحول الذي تشهده الجبهة الجنوبية، وما إذا كانت خسارة موقع استراتيجي يمكن أن تؤثر في موازين المواجهة، أم أنها مجرد محطة ضمن صراع ميداني مفتوح؟ تلة علي الطاهر.. موقع استراتيجي في قلب المواجهة تكتسب تلة علي الطاهر أهمية خاصة من موقعها الجغرافي وارتفاعها وإشرافها على عدد من المناطق في الجنوب، كما كانت تضم أنفاقًا وتحصينات جعلتها موقعًا مهمًا على مستوى القيادة والسيطرة وسمحت للمقاومين الموجودين فيها بالتحرك وتنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال. ويرى الأمين العام للأحزاب العربية، قاسم صالح، أن المقاومين صمدوا في التلة لنحو أربعة أشهر رغم العمليات العسكرية المكثفة التي استخدمت خلالها الطائرات والمدفعية والمسيّرات ومختلف الإمكانات العسكرية، مشيرا إلى أن تفجير الموقع حصل بعد انسحاب عناصر المقاومة منه وأن الخسائر البشرية لم تكن كبيرة وفق المعلومات المتوفرة لديه رغم الأثر المعنوي الذي تركه الحدث. ويؤكد صالح في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن أهمية التلة لا ترتبط فقط بالتحصينات والأنفاق وإنما أيضًا بارتفاعها وموقعها الذي يسمح للمقاومين بتنفيذ عمليات ضد قوات الاحتلال. في هذا السياق، يشير إلى أن العمليات التي نفذتها المقاومة كانت محدودة وموضعية بهدف الحفاظ على وجودها في المنطقة، وعدم جر لبنان مجددًا إلى مواجهة واسعة، مضيفا أن قوات الاحتلال كانت تنتظر مبادرات من جانب حزب الله خصوصًا بعد استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية ضد الجنود الذين حاولوا التقدم باتجاه التلة في أكثر من مرحلة. كما يعتبر أن القصف الذي نفذه الاحتلال على التلة ومحيطها جاء في إطار محاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل استمرار التوتر حول ترتيبات وقف إطلاق النار في الجنوب. ويرى صالح أن تفجير الموقع لا يعني أن الكيان الصهيوني أصبح قادرًا على التحكم بمفاصل الجنوب، لأن وجود موقع استراتيجي واحد لا يحسم طبيعة المواجهة التي ترتبط بمجمل الجغرافيا العسكرية والأمنية للمنطقة. الجنوب بين التصعيد وعودة النازحين لا تقتصر تداعيات المواجهة على الجانب العسكري، إذ ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل القرى والبلدات الجنوبية وبقدرة السكان على العودة إليها في ظل استمرار العمليات والدمار. وقال الأمين العام للأحزاب العربية، قاسم صالح، إن الحسابات الميدانية تتداخل مع مطالب وقف العدوان والانسحاب وإعادة الإعمار، مؤكدا أن الخسائر التي وقعت لن تؤثر في مسار العمليات العسكرية، بحسب تقديره، ولن تمكّن قوات الاحتلال من التقدم نحو مواقع أخرى في منطقة شمال الليطاني. وحذّر المتحدث ذاته من استمرار العمليات في أكثر من منطقة، ومن عمليات التدمير الممنهج للقرى والمنازل والبنى التحتية، والتي يرى أنها تحول دون عودة المواطنين إلى مناطقهم، مبرزا أن المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استمر هذا المسار، خصوصًا مع استمرار التقدم في بعض المناطق وعمليات تدمير القرى وإفراغها من سكانها. كما شدّد قاسم صالح على أن الهدف هو عدم جر لبنان مجددًا إلى حرب واسعة. وتأتي عودة النازحين في صدارة هذه الأولويات، إذ يرى صالح أن أعداد الذين نزحوا من الجنوب كانت كبيرة، وأن عودتهم إلى قراهم ومدنهم تتطلب وقف العدوان والانسحاب من الأراضي الجنوبية وإعادة الإعمار، مؤكدا أن هذه المطالب لا تقتصر على المقاومة وإنما تشمل السلطة اللبنانية أيضًا. وتتمثل هذه المطالب، بحسب صالح، في وقف جميع أشكال العدوان، بما فيها التقدم والاحتلال والقصف والتدمير، ثم انسحاب قوات الاحتلال وعودة المواطنين إلى قراهم، وإعادة الأسرى وإطلاق عملية إعادة الإعمار، ويعتبر المتحدث ذاته أن العودة لن تكون ممكنة من دون إعادة بناء المساكن والبنى التحتية التي تعرضت للدمار. ويأتي ما جرى في تلة علي الطاهر ضمن سلسلة من التطورات التي شهدها الجنوب اللبناني، وتكشف هذه الوقائع عن استمرار أهمية المواقع المرتفعة في المواجهة، وعن سعي كل طرف إلى الحفاظ على نقاط ذات قيمة ميدانية وأمنية، ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمصير تلة واحدة، وإنما بما إذا كانت هذه التطورات ستقود إلى تغيير فعلي في قواعد الاشتباك بجنوب لبنان، أم ستبقى ضمن حدود جولة جديدة من الصراع المفتوح.