لكن اللافت أن الرجل نفسه لم يظهر علناً ولو مرة واحدة منذ تعيينه، ما فتح الباب أمام تساؤلات وشائعات متزايدة داخل البلاد. غياب غير مسبوق وتساؤلات فمنذ توليه المنصب، لم يسجل مجتبى أي ظهور عام، ولم يحضر حتى مراسم تشييع والده في تموز الماضي. كما لم ينشر أي صور أو تسجيلات مصورة أو صوتية، مكتفياً بإدارة شؤون الدولة عبر بيانات مكتوبة. ورغم تأكيد السلطات الإيرانية أن هذا الغياب يعود إلى اعتبارات أمنية مشددة عقب سلسلة من عمليات الاغتيال التي استهدفت مسؤولين كباراً ونسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وبينهم علي خامنئي نفسه، لم يبدد هذا التفسير شكوك كثير من الإيرانيين. فكثير من الإيرانيين يتداولون فرضيات مختلفة حول مصير المرشد الجديد، حيث يعتقد بعضهم أنه قُتل خلال الهجوم الذي استهدف مجمع والده. بينما يرى آخرون أنه أصيب بجروح بالغة تمنع ظهوره أمام الجمهور. "لا أصدق البيانات المكتوبة" وفي إطار تلك التكهنات، قال سباك من طهران "إما أنه قُتل في القصف أو أصيب لدرجة لا تسمح بإظهاره للناس.. لا أستطيع أن أصدق البيانات المكتوبة.. لو كان حياً لاستطاع على الأقل نشر مقطع فيديو واحد"، وفق صحيفة "فاينانشال تايمز". فقد أدى هذا الغموض إلى انتشار نظريات متعددة بين الإيرانيين، تراوحت بين الاعتقاد بوفاته، وبين مزاعم عن "إدارة قوى خارجية" لشؤون البلاد من وراء الكواليس، وصولاً إلى شائعات أكثر غرابة تتحدث عن إعداد بدلاء يشبهونه للظهور مكانه. وازدادت هذه الشكوك في ظل تراجع مستويات الثقة بين المواطنين والسلطات، الأمر الذي جعل كثيرين أكثر ميلاً للتشكيك في الرواية الرسمية. في حين رأى محللون أن غيابه عكس أيضاً تحولاً أعمق داخل النظام الإيراني بعد الحرب، حيث "تراجعت مركزية الفرد وصعد نفوذ الحرس الثوري الذي بات كثير من الإيرانيين يعتقدون أنه صاحب القرار الفعلي". مقارنة مع أسلافه هذا ويبدو غياب مجتبى خامنئي أكثر إثارة للانتباه عند مقارنته بأسلافه، فـ"مؤسس الجمهورية الإسلامية" روح الله الخميني اعتاد مخاطبة الإيرانيين بشكل متكرر طوال فترة حكمه. أما علي خامنئي، فقد كان يظهر على شاشات التلفزيون بصورة منتظمة، وأحياناً أسبوعياً، لإلقاء خطابات تحدد التوجهات السياسية والأيديولوجية للدولة على مدى نحو 4 عقود. في المقابل ظل مجتبى شخصية بعيدة عن الأضواء حتى قبل الحرب الأخيرة، إذ أمضى معظم حياته في الدراسة والتدريس في الحوزات الدينية، ولم يكن معروفاً على نطاق واسع. حتى إن عدداً من كبار السياسيين الإيرانيين لم يلتقوه شخصياً قط، فيما لا تتجاوز المواد المصورة المتاحة له سوى لقطات محدودة تعود إلى مشاركته متطوعاً خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. بيانات مكتوبة بدل الخطابات لكن رغم غيابه، واصل مجتبى إصدار بيانات تتناول الشؤون السياسية والدينية، وتضمنت تعيينات في مناصب عليا ودعوات متكررة إلى وحدة الصف الداخلي. فيما أقر مطلعون على دوائر الحكم بأن عدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول مباشرة إلى المرشد محدود للغاية، فيما عد الرئيس مسعود بزشكيان المسؤول البارز الوحيد الذي أعلن علناً لقاءه به. أما في الخارج، فرجح دبلوماسيون أجانب أن خامنئي لا يزال يمارس مهامه ويسيطر على مراكز القرار وإن كان لم يرسخ نفوذه بعد بالمستوى الذي تمتع به والده. لكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي، التي تحدث فيها عن إصابة المرشد بجروح "خطيرة جداً" في الهجوم، زادت من حدة التكهنات. في المقابل، أكدت وزارة الصحة الإيرانية أن إصاباته كانت طفيفة ولم يمكث في المستشفى سوى أقل من 24 ساعة. أزمة اقتصادية تغذي الشكوك أتى هذا في وقت تشهد فيه إيران أزمة اقتصادية متفاقمة، مع ارتفاع معدلات التضخم السنوي إلى مستويات تقارب 90%، وسط ضغوط وعقوبات أميركية مستمرة. وقالت عاملة نظافة في الثلاثينيات من عمرها تعمل في طهران: "عندما ترتفع أسعار الغذاء كل يوم، أشعر أنه لا يوجد قائد فعلاً لهذا البلد. وإذا كان حياً فعليه أن ينظر إليّ كابنته ويحزن لأنني لم أعد أستطيع تحمل تكاليف الحياة". في حين رأى السياسي الإصلاحي محمد صادق جوادي حصار أن انتشار مثل هذه الروايات لا يعود بالضرورة إلى صحتها، بل إلى حالة الإحباط وفقدان الثقة التي تراكمت بين المجتمع والدولة على مدى سنوات طويلة. أنصار النظام: الغياب ضرورة أمنية في المقابل، اعتبر مؤيدو النظام أن اختفاء مجتبى إجراء منطقي في ظل التهديدات الأمنية التي تواجهه. وقالت زينب، وهي مهندسة حاسوب تبلغ 29 عاماً: "لا يمكننا المجازفة بحياته. لا ينبغي أن ينشر أي تسجيل صوتي أو فيديو قبل ضمان أمنه بالكامل". كما رأى جوادي حصار نفسه أن "استمرار تماسك مؤسسات الدولة واتخاذ القرارات في هذه المرحلة الحساسة يدل على وجود قيادة مركزية تدير المشهد من خلف الكواليس".