لم تعد الاستعدادات الألمانية لاحتمال اندلاع مواجهة واسعة بين حلف شمال الأطلسي وروسيا محصورة في الخطط العسكرية، إذ بدأت برلين تجهيز منظومتها الصحية لسيناريو قد يصل فيه ما يصل إلى 1000 جندي جريح يومياً إلى مستشفيات البلاد، في تحرك يشمل المستشفيات المدنية ومخزونات الأدوية وتدريب الأطباء، وصولاً إلى إعادة النظر في ملاجئ تعود إلى الحرب الباردة. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في "معاريف"، نقلاً عن "بلومبرغ"، تعمل ألمانيا على إعداد منظومتها الصحية لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين الناتو وروسيا، في سيناريو يفترض استقبال ما يصل إلى 1000 جريح يومياً في مستشفيات البلاد. وتشمل الاستعدادات إشراكاً واسعاً للمستشفيات المدنية في معالجة الجرحى، وزيادة مخزونات الأدوية والمعدات الطبية، وتدريب الأطباء على التعامل مع إصابات الحروب، إضافة إلى إعادة تقييم ملاجئ تعود إلى حقبة الحرب الباردة. وتملك ألمانيا حالياً 5 مستشفيات عسكرية فقط، وسط تقديرات بأنها ستصل سريعاً إلى أقصى قدرتها الاستيعابية في حال اندلاع حرب واسعة، ما يعني أن الجزء الأكبر من العبء سينتقل إلى النظام الصحي المدني. وبحسب حسابات الجيش الألماني، ستكون هناك حاجة إلى نحو 15,000 سرير من أصل نحو 440,000 سرير متوافر في أنحاء البلاد لاستقبال الجرحى العسكريين، بالتوازي مع استمرار علاج السكان المدنيين. وتؤكد بيانات رسمية للجيش الألماني أن خطط الطوارئ الخاصة بحالة الدفاع الجماعي داخل الناتو تأخذ في الحسبان احتمال التعامل مع ما يصل إلى 1000 جريح يومياً، مع الاعتماد بشكل أساسي على التعاون بين القطاعين العسكري والمدني. وتستند المخاوف الألمانية إلى تقديرات أمنية تفيد بأن روسيا قد تصل بحلول عام 2029 إلى القدرة على مهاجمة أراضي حلف شمال الأطلسي. ومنذ الحرب الروسية على أوكرانيا، وسعت برلين استعداداتها لسيناريو تصبح فيه ألمانيا مركزاً رئيسياً لاستقبال الجرحى القادمين من الجناح الشرقي للحلف. وفي آذار الماضي، أجرى الجيش الألماني مناورة «Medic Quadriga 2026»، التي وصفت بأنها أكبر وأكثر التدريبات الطبية تعقيداً التي ينفذها الجهاز الطبي العسكري منذ عقود. وحاكت المناورة هجوماً على ليتوانيا، واختبرت سلسلة إجلاء كاملة تبدأ من تقديم العلاج الأولي في الميدان، وصولاً إلى نقل المصابين إلى مستشفيات في برلين وبراندنبورغ. وأكد الجيش الألماني أن المناورة هدفت إلى اختبار سلسلة الإجلاء الطبي في سيناريو مرتبط بالمادة 5 من ميثاق الناتو، بمشاركة عسكرية ومدنية واسعة. لكن إحدى أبرز نقاط الضعف التي تواجه هذه الاستعدادات لا تتمثل في عدد الأسرّة، بل في النقص في الكوادر التي تمتلك الخبرة الطبية المناسبة للتعامل مع إصابات الحروب. ووفق التقرير، لا يمتلك سوى بضع مئات من الأطباء في ألمانيا خبرة فعلية في معالجة الإصابات التي تميز ساحات القتال. وأظهرت الحرب في أوكرانيا أن نسبة كبيرة من الإصابات تنتج من الانفجارات والطائرات المسيّرة والذخائر الثقيلة، وهي إصابات تتطلب خبرات مختلفة عن تلك المستخدمة في الممارسة الطبية المدنية اليومية. وفي هذا السياق، قال البروفيسور بنديكت فريميرت، المدير الطبي للمستشفى العسكري في أولم: «هل نظامنا الصحي مستعد لذلك؟ الجواب الوحيد هو لا». وفي مدينة أولم، تبحث السلطات أيضاً إمكان إعادة تشغيل ملجأ طبي تحت الأرض يعود إلى حقبة الحرب الباردة، وقد بُني لاستيعاب ما يصل إلى 2000 شخص لمدة 90 يوماً. ويتطلب تشغيل المنشأة مجدداً تحديث أنظمة التهوية والكهرباء، فيما تبحث مستشفيات أخرى إجراءات تشمل تركيب زجاج مضاد للرصاص وحواجز لمواجهة الطائرات المسيّرة، وتخزين الأدوية، وتحويل مساحات تحت الأرض إلى ملاجئ. وأكدت تقارير متقاطعة هذه الاستعدادات، بما فيها دراسة إعادة تشغيل ملجأ أولم وقدرته الاستيعابية. وفي موازاة الاستعدادات الميدانية، تدفع الحكومة الألمانية باتجاه قانون جديد للأمن الصحي يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على إدارة المنظومة الطبية خلال حالات الطوارئ. وتتضمن الخطة إنشاء صورة رقمية ومحدثة بصورة فورية للأسرة المتاحة والكوادر البشرية والأدوية والمعدات الطبية. وكانت وزيرة الصحة الألمانية قد قالت في وقت سابق من هذا العام إن ألمانيا تحتاج إلى نظام مشابه للوحة التحكم التي استُخدمت خلال جائحة كورونا. وكان من المقرر في الأصل طرح مشروع القانون خلال الصيف، إلا أن «بلومبرغ» أفادت بأن الجدول الزمني تأجل إلى الخريف. ويحذر مسؤولون في القطاع الصحي من أنه حتى في حال القدرة على توفير المزيد من الأسرة، ستبقى المشكلة الأصعب في تأمين العدد الكافي من الجراحين وطواقم العناية المركزة والممرضين والعاملين الصحيين المدرّبين على التعامل مع أعداد كبيرة من جرحى المعارك. وهكذا، لم يعد سيناريو المواجهة الواسعة بالنسبة إلى برلين