يسعى الأكراد السوريون إلى الحفاظ على التعليم بلغتهم الأم في وقت تعيد فيه دمشق فرض سلطتها على المناطق الكردية التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي خلال الحرب الأهلية التي استمرت سنوات، ورحبوا بمرسوم يسمح بتدريس بعض المواد باللغة الكردية، لكنهم أشاروا إلى أنه لا يلبي مطلبهم بمنهج دراسي كامل باللغة الكردية. وبرزت القضية في بداية أول عام دراسي منذ إعادة دمج المناطق السورية ذات الأغلبية الكردية في الدولة بموجب اتفاقيات بين دمشق والسلطات التي يقودها أكراد. واحتج التلاميذ في المناطق الكردية على تطبيق منهج دراسي جديد باللغة العربية، حسبما نقلت وكالة "رويترز". ويعد دور اللغة الكردية مسألة حساسة بالنسبة للأكراد، حبق كانت محظورة في المدارس في عهد عائلة الأسد، التي كانت تتبنى أفكار حزب البعث القومية العربية، لكنها ازدهرت خلال سنوات حكم الأكراد الذاتي في شمال سوريا. وأطاحت المعارضة الإسلامية بالرئيس بشار الأسد العام 2024. ويواجه أكراد سوريا حالياً واقعاً سريع التغير بعدما استولت الدولة الجديدة على المناطق التي كان يديرها الأكراد إثر هجوم شنته في كانون الثاني/يناير الماضي، ما مهد الطريق لمفاوضات بشأن كيفية دمج مؤسساتهم الأمنية والمدنية، في وقت سعى فيه الأكراد إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكاسبهم. وقبل بدء العام الدراسي، أصدرت وزارة التربية والتعليم مرسوماً اعترفت فيه بأن الكردية لغة وطنية ستدرس في المناطق التي يشكل فيها الأكراد جزءاً كبيراً من السكان، مستجيبة بذلك لمطلب كردي منذ فترة طويلة. لكن الأكراد، الذين تلقوا تعليمهم باللغة الكردية بشكل شبه كامل منذ العام 2012، يعترضون على القرار لأنه يقصر تدريس اللغة الكردية على ثلاث حصص أسبوعياً. وقال مسؤولون أكراد أن المرسوم أتاح خيار تدريس الجغرافيا والتاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفة باللغة الكردية، لكن العلوم والرياضيات ستدرس باللغة العربية بموجب الترتيبات الجديدة. وقالت سوزان علي (16 عاماً): "درست اللغة الكردية منذ بداية دراستي وحتى الصف الحادي عشر، والآن قالوا أنهم سيخصصون ثلاث حصص دراسية فقط للغة الكردية. هذا أمر غير مقبول. نصف المنهج باللغة الكردية والنصف الآخر باللغة العربية، لا يمكننا الدراسة باللغة العربية. يجب أن ندرس بلغتنا الأم لأننا درسنا باللغة الكردية منذ البداية ويجب أن نستمر على ذلك حتى الجامعة". وقالت ميرفا أمو (18 عاماً) أنها احتجت للمطالبة "بالعودة إلى المنهج السابق الذي كانت تدرس فيه جميع المواد باللغة الكردية"، وأنها ستواصل التظاهر. ولم ترد وزارة التعليم على طلب للتعليق، لكن وزير التعليم محمد عبد الرحمن تركو قال أمام البرلمان أن هناك رأيين، أحدهما يدعو إلى تدريس اللغة الكردية مع المواد الأخرى، والآخر يدعو إلى ترجمة المنهج الدراسي بالكامل إلى اللغة الكردية. وأضاف تركو أن ترجمة المنهج بالكامل إلى اللغة الكردية أمر صعب جدا بسبب ضرورة توفير معلمين لجميع التخصصات، متسائلاً كيف سيستكمل الطالب دراسته الجامعية. والحال أن أكراد سوريا جزء من أكبر مجموعة عرقية وجدت نفسها بلا دولة عندما تشكلت حدود الشرق الأوسط الحديث في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية. وفرضت جماعات كردية سيطرتها على مساحات شاسعة من شمال سوريا بعد العام 2011، وشكلت جماعة مسلحة قوية حاربت تنظيم "داعش" إلى جانب قوات أميركية، وأقامت حكماً ذاتياً كانت تأمل في الحفاظ عليه. وقالت المسؤولة السورية الكردية إلهام أحمد أن المرسوم يمثل "خطوة أولية جيدة" لكنه لا يلبي "مطالب مجتمعنا". وأضافت: "نعتقد أن جميع المواد الدراسية ينبغي تدريسها باللغة الكردية، إلى جانب الإنجليزية والعربية ولغات أخرى، خصوصاً في هذه المناطق. من الضروري للشعب الكردي أن يتعلم بلغته الأم، ورغم ذلك فإن ما نراه الآن يعد خطوة إيجابية"، مضيفة أن الدستور الجديد ينبغي أن يكرس الحق في التدريس باللغة الكردية. ويتحدث أكراد سوريا الكرمانجية، وهي لهجة من اللغة الكردية تكتب بأحرف لاتينية. وتنتمي اللغة الكردية إلى عائلة اللغات الهندو-أوروبية، لذلك تختلف عن اللغة العربية كلياً. وتعهد الرئيس أحمد الشرع بحماية حقوق الأقليات، كما عين مظلوم عبدي، القائد السابق للقوات الكردية التي جرى حلها، مستشاراً في الرئاسة السورية. وكانت اللغة الكردية تدرس سراً في عهد الأسد. وعبر معلم يدعى محمد أحمد عن توقعه أن يواجه الطلاب الذين لم يتعلموا سوى باللغة الكردية صعوبات، وطالب بفترة انتقالية مدتها عام أو عامان. وقال: "في النهاية، نتمنى أن تسير الأمور بسهولة وسلاسة، وأن يراعى وضع المنطقة هنا، خصوصاً أن هنالك بعض الحساسية بشأن هذه المسائل".