لم يحتج السوريون إلى وقت طويل كي يعثر كل منهم على أغنيته في "الألبوم السوري" الذي طرحته أصالة نصري. نشر أبناء السويداء "محبوب قلبك"، واستعاد أبناء حماة نهر العاصي مع "والله لعبّي الجرة"، فيما تداول أبناء دير الزور "عمدا"، ووجد أبناء ريف دمشق الغوطة وأهلها داخل "الريف الشامي"..بدت الاستجابة كأنها احتفال كل محافظة باللحظة التي سمعت فيها اسمها ولهجتها في صوت واحدة من أبرز مطربات العالم العربي. ويضم الألبوم، الذي صدر عن شركة "روتانا"، 14 أغنية مستمدة من الفولكلور السوري، خُصصت كل منها لمحافظة سورية، وذلك قبل عودة أصالة إلى دمشق، حيث تحيي حفلة في صالة الفيحاء في 17 أيلول/سبتمبر، بعد غياب امتد نحو 15 عاماً. وتتواصل التحضيرات النهائية لحفل أصالة، المقرر إقامته غدًا الخميس في دمشق، في عودة طال انتظارها من جمهورها السوري، بعد غياب أكثر من 15 عامًا عن إحياء الحفلات في سوريا. بدأت أصالة في خوض بروفات مكثفة استعدادًا للحفل، برفقة فرقتها الموسيقية، فيما توضع اللمسات النهائية على مسرح الحفل. غير أن أهمية العمل تتجاوز توقيت إطلاقه، فهو يصل في لحظة تحاول فيها سوريا إعادة تعريف نفسها بعد سقوط نظام الأسد، وسط ملفات مفتوحة تتعلق بالساحل والسويداء وشمال شرقي البلاد، ومخاوف متبادلة بين مناطق عاشت سنوات طويلة داخل خرائط سياسية وعسكرية واجتماعية منفصلة. في هذا المناخ، يحمل منح كل محافظة أغنية خاصة بها معنى يتجاوز الموسيقى. خلال عقود من حكم الأسد أنتجت الدولة هوية سورية رسمية تقوم على المركزية والتجانس، وتعاملت بصورة انتقائية مع التنوع المحلي، وبقي جانب واسع من تراث المناطق محصوراً في الأعراس والقرى والتسجيلات الشعبية، فيما تعرضت الثقافة الكردية خصوصاً للتهميش والقيود. ثم جاءت الحرب لتعمق المسافات، فتحولت المحافظات إلى مناطق نفوذ، وصار كثير من السوريين يعرفون بعضهم من خلال نشرات الأخبار والخوف المتبادل أكثر مما يعرفون أغاني بعضهم وعاداتهم. ضمن هذا السياق، يمكن قراءة "الألبوم السوري" باعتباره خريطة اعتراف، تتوجه أصالة إلى كل محافظة لتقول لها لهجتك مسموعة وأغنيتك تستحق الحضور وأنت جزء من الصورة السورية، وهنا تظهر المحافظات كمكونات متجاورة داخل عمل واحد بعدما كانت هوامش تدور حول دمشق. واختارت أصالة "عالروزانا" لحلب، و"على روض الحبيب" للاذقية، و"على دلعونا" لطرطوس، و"عرب الشرقية" لحمص، و"والله لعبي الجرة" لحماة، وحضرت السويداء من خلال "محبوب قلبك"، ودرعا عبر "أم العريس"، والحسكة في "حلوة وطلتك ضلال"، ودير الزور من خلال "عمدا"، فيما ذهبت "يما مويل الهوى" إلى الرقة، و"ع الهوني يا سمرة" إلى إدلب، و"حطي على النار يا جدة" إلى القنيطرة، و"الريف الشامي" إلى ريف دمشق، وبقيت "طولو" لدمشق. ولا تعتبر هذه الخريطة توثيقاً نهائياً لأصول الأغاني، لأن "عالروزانا" تنتمي إلى تراث شامي واسع، على الرغم من ارتباطها القوي بحلب، و"الدلعونا" قالب غنائي مشترك في بلاد الشام، بينما تمتد "الموليا" على طول الفرات السوري والعراقي، وهنا أعاد الألبوم تنظيم هذه الأغاني داخل خريطة المحافظات أكثر مما حسم ملكيتها الجغرافية. يختزل المشروع أحياناً التنوع الموجود داخل المحافظة نفسها، فالحسكة مثلاً فضاء عربي وكردي وآشوري وسرياني وأرمني، ولا تستطيع أغنية واحدة باللغة العربية تمثيل كل هذا التعدد. مع ذلك، كان كافياً أن يسمع أبناء كل منطقة اسماً أو مفردة مثل كلمة "أشو" المستخدمة في إدلب، أو طريقة نطق يعرفونها مثل "أكربي زنارش"، رغم أن كلمة "أكربي" تستخدم في حوران وفي الجزيرة وحتى في بعض المناطق في ريف حماه، أو نطق حرف القاف على طريقة أهل السويداء في أغنية "محبوب قلبك"، أو استخدام كلمة "قربانو" التي تستخدم في العربية والآشورية والكردية، حتى يتعاملوا مع الأغنية باعتبارها تحية شخصية، وأسهمت هذه الخصوصية في صنع التفاعل الواسع مع العمل إذ لم ينشر السوريون أغاني أصالة فقط، وإنما أعادوا نشر محافظاتهم كما ظهرت في صوتها وصورتها. يفتح الألبوم باباً للنقد، من الناحية الموسيقية. فأصالة ليست مطربة محلية تقدم أغاني منطقتها إلى جمهور محدود، فهي واحدة من أقوى الأصوات الموجودة في الساحة العربية، وتمتلك مكانة وإمكانات إنتاجية كان يمكن أن تحول الفولكلور السوري إلى مشروع معاصر يتجاوز حدوده الأصلية. وخلال السنوات الأخيرة، اتجه فنانون كثر إلى دمج الموسيقى الشعبية بالبوب والإلكتروني، فانتقلت أغانٍ شديدة المحلية إلى المهرجانات والمنصات العالمية، ويؤدي الفنان في هذه التجارب دور الوسيط بين التراث والحاضر، ويمنح المادة القديمة بنية موسيقية تستطيع العبور حتى عندما لا يفهم المستمع جميع الكلمات. وحصلت أغاني الألبوم على توزيعات حديثة شارك فيها يزن الصباغ وبنكين صالح وزياد عباس وأحمد ضياء وصالح كاتبة، لكن التحديث بقي