لليوم الثاني، وجد مجلس النواب نفسه أمام نقاش سياسي غاب طويلاً عن القاعة. لم يعد الكلام محصوراً بالخدمات، بل انتقل إلى العمق السياسي من حرب وسلم، سلاح ومقاومة. واللافت أن النواب يتوالون على الكلام، يفتحون الملفات السياسية، ينتقدون ويعترضون ويردون على بعضهم، فيما الوزراء يجلسون في مقاعدهم من دون أن يدخلوا فعلياً في المواجهة للدفاع عن الحكومة أو عن خياراتها. كأن الجلسة أعطيت للبرلمان كي يتكلم، وللحكومة كي تستمع. بهذا المعنى، بدت جلسة مساءلة الحكومة أقرب إلى جلسة "فضفضة". وهو ما ينسجم مع العبارة التي قالها النائب جبران باسيل أمس "نحكي بالمجلس، أحسن ما نحكي بالشارع". في إدارة الجلسة، بدا رئيس مجلس النواب نبيه برّي أقل تشدداً في تطبيق قاعدة الدقائق الخمس المخصصة لكل نائب. ترك هامشاً أوسع لمن لديه مداخلة مترابطة أو موقف سياسي يحتاج إلى استكمال، ولا سيما عندما يتناول الكلام اتفاق الإطار، الوضع في الجنوب، السلاح والمقاومة. هكذا، أتيح لنواب مثل ملحم خلف وحليمة قعقور الاسترسال وتجاوز الوقت المحدد. جاءت مداخلة ملحم خلف لافتة، فقد ربط بين رفض الذهاب إلى الحرب وبين حق لبنان في التفاوض، متوقفاً عند اتفاق الإطار وما ينص عليه من حسن نية. وقال خلف إنه لا يؤيد "القرار الخاطئ بالذهاب إلى الحرب، أكان مساندة أو انتقاماً"، مؤكداً أن التفاوض حق للبنان، لكنه سأل عن "حسن النية" المنصوص عليه في اتفاق الإطار، في وقت يستمر فيه التدمير في الجنوب. من جهتها، ذهبت حليمة قعقور إلى مستوى أكثر حدة في مقاربة اتفاق الإطار. انتقدت الاتفاق بشدة، لكنها أكدت في الوقت نفسه موقفها من حصرية السلاح بيد الدولة، معتبرة أن لبنان يجب أن يفاوض عن نفسه، لا أن تتولى إيران التفاوض باسمه. وقالت، في معرض انتقادها للاتفاق: "يا عيب الشوم على هيك اتفاق"، قبل أن تؤكد أن لبنان هو الذي يجب أن يفاوض، وأن حصرية السلاح هي موقفها الواضح. ولم يقتصر الأمر عليهما، إذ بدا أن برّي كان يترك المجال لكل نائب لديه تسلسل واضح في الأفكار أو انتقاد مباشر للحكومة أو لمقاربتها للملفات المطروحة، كي يسجل موقفه كاملاً قبل الانتقال إلى المتحدث التالي. لم يكن ذلك يعني أن برّي تخلى عن إدارة الجلسة. على العكس، ظل ممسكاً بإيقاعها، لكنه لم يبدُ راغباً في خنق النقاش عند حدود الدقائق الخمس بل أن يأخذ النقاش السياسي مداه، خصوصاً في ملفات الحرب والسلاح والتفاوض. كلما اقترب النقاش من الحرب والسلاح والمقاومة، ارتفع منسوب التوتر في القاعة. وهذا ما ظهر في السجال بين النائبين إيهاب حمادة وميشال معوض، والذي دخل زياد حواط على خطه. اعترض حمادة على مقاطعة معوض، متمسكاً بحق النواب في المقاطعة والرد عندما يتم ذكرهم بالاسم، أو مقاطعة المتحدث، مستشهداً ببيتي الإمام الشافعي: "يخاطبني السفيه بكل قبح وأكره أن أكون له مجيباً". لكن السجال لم يتوقف عند حدود النظام الداخلي. فقد اتهم حمادة بعض النواب بـ"الكذب"، ودعا إلى العودة إلى ما قاله الجانب الإسرائيلي بشأن تلة علي الطاهر، وإلى ما وصفه بـ"الكذبة التي كُذبت على الناس". ومع تدخل زياد حواط، الذي اعتبر أن الكلام يمس الجميع واتهم "حزب الله" بالكذب على الناس، ارتفع سقف الرد، فرد حمادة باتهام "القوات اللبنانية" بأنها "قوات إسرائيلية على البلد"، وسط اعتراضات ومقاطعات وتدخلات من القاعة. على الرغم من اتساع النقاش السياسي، لم تخرج الجلسة من إطارها النيابي التقليدي لناحية كثرة المداخلات والمناوشات والعراضات النيابية. وهذا ما عبّر عنه وضاح الصادق بوضوح حين قال "سمعنا الكثير من الكلام ولم نسمع أي حل"، سائلاً عن المياه والكهرباء وأموال المودعين، في وقت يتحدث فيه البعض عن هذه الملفات وهم أنفسهم ممن توالوا على السلطة. خلال كل ذلك، بقيت الحكومة في موقع المتلقي. الوزراء كانوا حاضرين، لكن حضورهم في النقاش لم يكن بمستوى حجم الملفات المطروحة. لم تدخل الحكومة في مواجهة سياسية واضحة للدفاع عن خياراتها، ولم يظهر الوزراء كطرف أساسي في السجال حول الحرب والسلاح واتفاق الإطار. وفي سياق إدارة برّي للجلسة، بدا أن "جَلَدَه" على الاستمرار بدأ ينفد، وأنه كان يرغب في أن تنتهي الجلسة، إلا أنه أبقى المجال مفتوحاً أمام النواب الـ13 لاستكمال مداخلاتهم، محدداً استئناف الجلسة بعد الظهر. وعليه، تبقى الأنظار متجهة إلى ما سيحمله الاستئناف، ولا سيما موقف رئيس الحكومة نواف سلام وما سيقوله رداً على كل ما طرحه النواب، بعد أن أخذوا مساحتهم الواسعة بالكلام وتسجيل المواقف.