أثبتت حرب إيران أن كل المواعيد الافتراضية التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لانتهاء النزاع كانت مصطنعة ومبنية على حسابات مغلوطة. والأمر نفسه ينسحب الآن على توقّع نائب الرئيس جي دي فانس بأن الحرب "ستدخل مرحلة مختلفة" في غضون شهرين، بناءً على اعتقاده بأن طهران ستفقد السيطرة على مضيق هرمز بحلول الانتخابات النصفية الأميركية أو بعدها. كلام فانس موجّه بالدرجة الأولى إلى الناخبين الأميركيين القلقين من ارتفاع أسعار البنزين والمازوت، نتيجة للحرب التي ترى غالبية كبيرة من الرأي العام أنها لم تكن مجدية. وآخر تجليات التجاذب الداخلي الأميركي كان تصويت مجلس النواب الثلاثاء على قرار رمزي يدعو إلى وقف الحرب، وذلك للمرة الثالثة بعدما اقترع 7 نواب جمهوريين لمصلحة القرار الذي تقدم به الديموقراطيون. وهذا أكبر عدد من الجمهوريين ينضم إلى الأقلية الديموقراطية في المجلس لتمرير القرار. وترجّح الاستطلاعات انتقال الغالبية إلى الديموقراطيين في انتخابات 3 تشرين الثاني/نوفمبر، بينما تبقى المنافسة محتدمة على مجلس الشيوخ. وجرى التصويت في وقت كان مكتب الموازنة في الكونغرس يعلن أن كلفة الحرب تعدّت 38 مليار دولار، مع كلفة تتراوح بين 2 و3 مليارات شهرياً. وبالتزامن أيضاً مع تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" تناول الاستهلاك السريع لمخزونات الصواريخ الاعتراضية من طرازي "باتريوت" و"ثاد" نتيجة التصدي للهجمات الصاروخية الإيرانية على قاعدة عسكرية في الأردن في وقت سابق من الشهر الجاري. يفيد التقرير بأن الجيش الأميركي استهلك 70 صاروخاً لاعتراض 20 صاروخاً باليستياً أطلقتها إيران. وهذا ما يفرض ضغوطاً على القدرات الدفاعية الأميركية وسلاسل التوريد العسكرية. الجدل الداخلي الأميركي يتغذى من واقع استمرار سعر برميل النفط فوق 100 دولار عالمياً، الأمر الذي تسبب باندلاع احتجاجات في دول مختلفة، من آسيا إلى أميركا اللاتينية وإلى أوروبا. ولو كانت الملاحة في مضيق هرمز قد استعادت نسبة 50 في المئة من معدلاتها السابقة على الحرب، وفق ما يقول فانس، ولو أن النفط "يتدفق" فعلاً عبر المضيق، على ما يكرر ترامب ليل نهار، فلماذا لا تتراجع الأسعار إلى أقل من 100 دولار؟ أسعار الوقود معروضة في محطة للمحروقات في فرانكفورت بألمانيا، 14 أيلول/سبتمبر 2026. (أ ب) وبحسب تقديرات لـ"مختبر حلول المناخ" وجامعة براون بولاية رود آيلاند الأميركية، فإن المستهلكين في الولايات المتحدة دفعوا أكثر من 100 مليار دولار إضافية على الوقود منذ اندلاع حرب إيران في 28 شباط/فبراير، مما أدى إلى تقليص المدخرات والحد من الإنفاق لدى العديد من العائلات. ويفرض التضخم نفسه في تحديد السياسات المالية. ويتجه الاحتياطي الفيديرالي الأميركي مثلاً إلى رفع نسبة الفائدة، على رغم مناشدات ترامب المتكررة بخفضها. اتساع الحرب يمنح إيران المبادرة ويتكشف النزاع عن انتقال المبادرة في إدارة الأحداث إلى إيران، خصوصاً مع انفجار الوضع في اليمن، مع إحكام الحوثيين قبضتهم على باب المندب، وتوسيع هجماتهم الصاروخية وبالمسيّرات على المدن السعودية. ويومياً تتبدّى مخاطر هذه الحرب. وأعلن التحالف المساند للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إسقاط الدفاعات السعودية مسيّرة فوق مكة الثلاثاء، الأمر الذي سارع الحوثيون إلى نفيه. وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين إسقاطهم مقاتلة سعودية من طراز "إف-15" فوق محافظة مأرب اليمنية. وجاء طلب واشنطن من الرعايا الأميركيين "إعادة النظر في قرار السفر" إلى السعودية دليلاً إضافياً على أن هذه الحرب في طريقها إلى الاتساع، والرمي بتأثيراتها على الأمن الإقليمي.