الصرخة الشيعية اليوم خرجت من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. في ظل حضور نواب وممثلين عن أحزاب وبلديات واتحادات بلدية وعلماء ومخاتير وهيئات تمثل القرى الحدودية والمحتلة. في الوقفة التي دعا إليها أهالي القرى الجنوبية المتضررة والمدمّرة واتخذت من مقرّ المجلس في حارة حريك أرضيّتها. الصرخة موجهة في بداية المطاف نحو العدو الإسرائيلي، وتجلّت من خلال مطالب الانسحاب ووقف الاعتداءات. وفي وجهها الآخر كانت موجهة أيضاً إلى الدولة اللبنانية، وإلى السلطة التي يُطلب منها أن تتعامل مع الجنوب باعتباره منطقة لبنانية وأهلاً لبنانيين تقع على الدولة مسؤولية حمايتهم وتأمين شروط بقائهم وعودتهم وإعادة إعمار ما تهدّم من أماكن عيشهم وقراهم. تكمن أهمية المشهد في شكله قبل مضمونه. خلوّ الساحة من الأعلام الحزبية والشعارات الفئوية، وحضور العلم اللبناني في المكان. وهذا التفصيل، في سياق لبناني اعتاد أن تُقرأ فيه أي حركة جنوبية من خلال اصطفافاتها السياسية، يمكن النظر إليه بعين مختلفة نسبياً. فالاحتجاج خرج من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بوصفه مرجعية دينية واجتماعية، وحاول منظموه أن يقدموه باعتباره صوتاً لأهالي القرى، وللبلديات، وللمجتمع المحلي الذي يريد أن يقول إن الصبر له حدود، وإن ترك الناس في مناطقهم المدمرة ليس سياسة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. في الوقت نفسه، لم يمنع غياب الأعلام الحزبية وغياب الشق الشيعي الآخر المتمثّل بأمل، من غياب السياسة عن المشهد. القوى السياسية حاضرة من خلال نائب حزب الله علي فياض وشخصيات أخرى في المكان، كما كان خطاب المقاومة والاحتلال والتحرير حاضراً في الكلمات. وهكذا يمكن قراءته كمحاولة لإعادة تقديم قضية الجنوب ضمن عنوان وطني أوسع. في مداخلته لـ"المدن" يصرِّح عضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب: إن الوقفة هي الأولى من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي يصفه بأنه بيت الجميع، معتبراً أن انطلاق التحرك منه يحمل دلالة واضحة وجرس إنذار للسلطة السياسية اللبنانية. فالمطلوب، بحسب أبو زينب، هو الانتقال من مرحلة المسائل الفولكلورية إلى مرحلة تكون فيها السلطة في خدمة الناس وتتحمل مسؤولياتها تجاههم. العبارة الأكثر دلالة في كلام أبو زينب هي تلك التي تحدث فيها عن مواطن يشعر بأنه محاصر من السلطة السياسية، كما هو محاصر من العدو الإسرائيلي. وهي عبارة سياسية ثقيلة، تضع في توصيف أبو زينب، ضغط السلطة في مستوى موازٍ للضغط الذي يمارسه الاحتلال. وبصرف النظر عن مدى دقة هذه المقارنة، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف حجم التوتر الذي بدأ يتشكل بين الجنوب (قسم مهم من الشيعة) والسلطة. يكمل أبو زينب ويرى أن وقفة اليوم لن تكون الأخيرة، وأن ما جرى يمثل بداية لتحركات أخرى يمكن أن تنتقل إلى المناطق، مؤكداً أن هذه المبادرات فردية وشعبية واجتماعية، تشارك فيها البلديات والأهالي، وتضع أمام السلطة مطلباً مباشراً. أن تأتي إلى الجنوب، وأن تهتم بالناس الذين صمدوا في أرضهم، وأن تؤمّن مقومات بقائهم وعودتهم وإعادة إعمار مناطقهم. من جهته، لم يخفِ نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله محمود قماطي البعد السياسي الأوسع للتحرُّك. وفي حديثه لـ"المدن" اختصر اللحظة بعبارة "الصبر ثم الصبر ثم الصبر" وأكمل متسائلاً إلى متى سيبقى الناس يصبرون بينما لا يكترث المسؤولون ولا يهتمون. بالنسبة إليه، ما جرى اليوم هو "أول صرخة" وستليها صرخات أخرى. لكن قماطي يربط الصرخة مباشرة بالصراع على الجنوب ومصيره، مؤكداً أن الأهالي متمسكون بأرضهم وقراهم، وأنهم لن يقبلوا بتحويل الجنوب إلى "منطقة أمنية للعدو الإسرائيلي"، أو أن تتحول القرى المدمرة مستقبلاً إلى مساحة ملحقة بالاحتلال. كلام قماطي عن "الصرخة الأولى" يضع السلطة أمام فرضية صحيحة واحتمال تشكل ضغط اجتماعي وسياسي أكثر اتساعاً. وفي المقابل، فإن ربطه العودة بالتمسك بالأرض ورفض تحويل الجنوب إلى "منطقة أمنية للعدو الإسرائيلي" يعيد القضية إلى أصلها. ما يجري في القرى الجنوبية جزء من معركة على الأرض وعلى إمكانية بقاء أهلها فيها. من جهة مغايرة تبدو عبارة الشيخ علي الخطيب عن "الزيارات الفولكلورية" أكثر دقة وتوصيفاً حيثُ أشار إلى عدم حاجة الجنوب إلى مشهد مسؤول يقف بين الركام، يعلن تضامنه ثم يغادر. الزيارة التي يريدها الأهالي هي تلك التي تحمل معها قراراً وتمويلاً وخطة عمل ومسؤولية واضحة. هذا البعد كان حاضراً أيضاً في مداخلات أهالي القرى المحتلة، الذين رفعوا شعار "العودة حق"، مستندين إلى تاريخ جنوبي يقول، في روايتهم، إن الأرض لم تُستعد بالبيانات الدولية وحدها، تمت استعادتُها بدماء الشهداء والجرحى والأسرى وبصمود الناس وتمسكهم بقراهم. وفي ظل ما وصفوه بالصمت الدولي، بدا استحضار هذه الذاكرة محاولة للقول إن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الا