لم تعد عبارة "الملاذ الآمن" تعني أصلاً واحداً يصلح للأزمات كلها. تتزامن حرب إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الأميركية والتوترات التجارية مع تضخم أميركي عنيد، ودين فيديرالي يتجاوز الـ 40 تريليون دولار، وقلق متزايد في سوق السندات. في هذه البيئة، قد يحمي أصلٌ المستثمر من الركود، لكنه يخسره عند ارتفاع التضخم، بينما يستفيد أصل آخر من الحرب، ثم يتراجع عند أول إشارة إلى رفع معدلات الفائدة. لذلك، لا يبدأ السؤال من تحديد "أفضل ملاذ" في صورة مطلقة، بل من معرفة الخطر الذي يريد المستثمر حماية أمواله منه. استقرّ مؤشر الدولار في 28 آب/ أغسطس قرب 99.18 نقطة، حول أعلى مستوى له في أسبوع، مستفيداً من الطلب على السيولة وتوقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية. وكانت الأسواق تسعّر احتمالاً بنحو 35 في المئة لرفع الفائدة في أيلول/سبتمبر، ثم يرتفع الاحتمال إلى نحو 75 في المئة في الفترة الفاصلة بين أيلول ونهاية العام. تنبع قوة الدولار من موقعه في قلب النظام المالي العالمي. هو العملة الرئيسية للتجارة والتمويل والاحتياطيات، كما أنه وجهة الشركات والمصارف والمستثمرين المعتادة عندما يحتاجون إلى سيولة سريعة خلال الأزمات. وتعزز العقوبات على إيران هذه المكانة في الأجل القريب؛ تهدد واشنطن بحرمان الدول والشركات التي تواصل التعامل مع طهران من الوصول إلى النظام المالي الدولاري. لكن استخدام العملة أداة ضغط بصورة متكرّرة قد يشجّع بعض الدول، على المدى البعيد، على تنويع احتياطياتها وتقليص اعتمادها على الدولار. لا تعني قوة العملة في سوق الصرف أنها تحافظ بالضرورة على قوتها الشرائية. لقد ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة 3.7 في المئة على أساس سنوي في تموز/يوليو، مقارنة بهدف مجلس الاحتياطي الفيديرالي البالغ اثنين في المئة. وهكذا، قد يبقى الدولار قوياً أمام عملات أخرى، بينما تتآكل قيمته الحقيقية بفعل ارتفاع الأسعار. السندات الأميركية ليست كلها متشابهة الحديث عن قوة السندات الأميركية أو ضعفها يحتاج إلى التمييز بين آجالها. تختلف أذون الخزانة قريبة الأجل، التي تستحق خلال أشهر، جذرياً عن سندات العشر سنوات أو الثلاثين سنة. وتوفر الأذون عائداً مرتفعاً نسبياً مع تقلب سعريّ محدود، ما يجعلها من أقوى أدوات السيولة والحفاظ النسبي على القيمة الاسمية في الظروف الحالية. لكنها لا تضمن حماية القوة الشرائية إذا تجاوز التضخم العائد، كما أن المستثمر يواجه خطر انخفاض العائد عندما يحين موعد تجديدها، إذا بدأ مجلس الاحتياطي الفيديرالي خفض الفائدة. أما السندات بعيدة الأجل، فتواجه معادلة أكثر صعوبة. يبلغ عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات نحو 4.68 في المئة؛ وارتفاع العائد يعني انخفاض سعر السند. ويعكس ذلك استمرار التضخم وكثرة الإصدارات الحكومية وطلب المستثمرين تعويضاً أكبر في مقابل إقراض واشنطن لسنوات طويلة. تحاول وزارة الخزانة الأميركية تخفيف الضغط عبر زيادة عمليات إعادة شراء السندات بعيدة الاستحقاق. وأدى الإعلان في 19 آب إلى انخفاض العوائد وتراجع مؤشر الدولار 0.84 في المئة، فيما قفز الذهب بأكثر من أربعة في المئة. لكن إعادة الشراء لا تعني شطب الدين أو تقليص حجمه؛ هي تهدف أساساً إلى تحسين سيولة السوق، واستبدال بعض الإصدارات الأقلّ تداولاً. ولذلك، يمكن للعملية تهدئة الاضطراب، لكنها لا تعالج مصدر القلق المتعلق بالعجز وتراكم الاقتراض. مع ذلك، لا ينبغي إعلان نهاية دور السندات بعيدة الاستحقاق بوصفها ملاذاً؛ فهي قد تصبح من أفضل الأصول أداءً إذا دخل الاقتصاد الأميركي في ركود واضح وتراجع التضخم، لأن خفض الفائدة يؤدي عادةً إلى ارتفاع أسعار السندات القائمة. أما إذا بقي التضخم مرتفعاً، واستمرت الإصدارات الضخمة، فقد تتعرض أسعارها إلى مزيد من الضغط. وفي منطقة وسطى، تبرز سندات الخزانة المحمية من التضخم (تيبس)، التي ترتبط قيمتها الاسمية بمؤشر أسعار المستهلك. بلغ العائد الحقيقي على أجل عشر سنوات نحو 2.34 في المئة، ما يوفر حماية مباشرة نسبياً من التضخم إلى جانب عائد حقيقي إيجابي لمن يحتفظ بالسند حتى الاستحقاق. لكنها، على غرار بقية السندات، تظل عرضة إلى تقلّب السعر إذا بيعت قبل ذلك. اتجه الذهب إلى الاستقرار قرب 4,604 دولارات للأونصة في 28 آب، بعدما بلغ نحو 4,696 دولارات في وقت سابق من الأسبوع. وكان مرتفعاً بنحو الثلث على أساس سنوي، مستفيداً من الحرب والعقوبات ومخاطر هرمز والقلق من الدين الأميركي ومستقبل العملات الورقية. ويحصل المعدن على دعم إضافي من المصارف المركزية، التي اشترت صافياً نحو 289 طناً خلال الفصل الثاني من عام 2026، بزيادة سنوية بلغت 62 في المئة. لكن الصورة ليست صعودية بالكامل؛ بقيت المشتريات في النصف الأول من العام ككل عند أدنى مستوى منذ عام 2022، بعدما كان ال