على أهمية إنهاء المدعي العام التمييزي محمد صعب مطالعة النيابة العامة التمييزية في ملف تفجير مرفأ بيروت، وتسليمه إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، في تسجيل خطوة متقدمة على طريق الوصول إلى القرار النهائي للبيطار في الجريمة التي هزت لبنان على مدى ستة أعوام، إلا أن تسريب المطالعة حمل أبعاداً خطيرة ومقلقة حيال الهدف غير البريء من هذا التسريب الذي ركز على اتهامات طالت الرئيس السابق للجمهورية ميشال عون قبل أن يتم سحبها، مع إبقاء التسريب لأسماء الوزيرين علي حسن خليل وغازي زعيتر والمدير السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، بما يطرح السؤال حول المسار الذي سيسلكه الملف، وهل سيحافظ على مساره القضائي البحت أم أنه سيدخل مرحلة جديدة من التأزم السياسي في ما لو تم فعلاً سحب اسم عون والإبقاء على أسماء 3 مسؤولين سابقين من الطائفة الشيعية. فمع الانتقال إلى مرحلة الاستدعاءات أو الإجراءات القضائية بحق خليل وزعيتر وإبراهيم، تخشى أوساط قانونية من أن يتحول الملف إلى أزمة سياسية جديدة، ستتبلور بكيفية تعاطي القوى السياسية مع القضاء، وبما إذا كان المسار سيُترك يأخذ مجراه القانوني أم سيُعاد إدخاله في بازار الحصانات والتوازنات السياسية. فالملف دخل فعلياً مرحلة شديدة الخطورة، مع إعلان القاضي صعب في مطالعته وجود مسؤولية جزائية على خليل وزعيتر، إضافة إلى يوسف فنيانوس ورئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، وإن كانت الكلمة الأخيرة للمحقق العدلي الذي يستطيع الأخذ بالمطالعة أو تجاوزها قبل إصدار قراره الاتهامي. علماً أن مسار عباس إبراهيم مختلف من الناحية الإجرائية، إذ سبق أن استجوبه البيطار بصفته مدعى عليه، ضمن الاستجوابات التي طالت عدداً من المسؤولين الأمنيين والعسكريين. لا تقلل الأوساط من أهمية ما ورد في المطالعة، لكنها ترى أن استدعاء أسماء بهذا الوزن لا يعني حكماً الإدانة، كما أن مطالعة النيابة العامة ليست قراراً قضائياً نهائياً. لكن سياسياً، يمكن أن يُقرأ أي إجراء جديد على أنه انتقال من مرحلة التحقيق المفتوح إلى مرحلة تحديد المسؤوليات، وهو عملياً الاختبار الأصعب لمدى الجدية في إيصال الملف إلى خواتيمه القضائية، من دون أن تسقطه الاعتبارات السياسية التي حكمته على مدى الأعوام الماضية وعطلت مساره. ففي مسألتي خليل وزعيتر، سبق أن ارتبط مسار التحقيق بمواجهة قضائية وسياسية طويلة، فيما أصدرت محكمة بداية بيروت في كانون الثاني الماضي حكماً بتغريمهما على خلفية ما اعتبرته تعسفاً في استعمال حق الادعاء والدفاع، ما أدى إلى تعطيل التحقيق. لذلك فإن الأزمة، إذا اندلعت، لن تكون فقط حول الأشخاص، بل حول السؤال الأهم والأخطر: هل سيُترك القضاء ليقوم بعمله المستقلّ عن الضغط والنفوذ السياسيين عندما يصل "الموس" إلى رقاب مسؤولين سياسيين وأمنيين من الصف الأول؟عند هذا المستوى، تتقاطع ثلاثة مسارات، أولها قضائي يهدف إلى إقفال الملف وفق الأصول، وثانيها سياسي قد يعتبر أن الاستدعاءات تستهدف توازنات أو مواقع طائفية وسياسية، وثالثها وطني، يمثله اللبنانيون وذوو ضحايا التفجير الذين لا يزالون ينتظرون العدالة. والخطر الحقيقي وفق الأوساط لا يكمن في الاستدعاءات القضائية، بل في أن تؤدي إلى إعادة إنتاج المعركة التي عطّلت التحقيق سابقاً، أي العودة إلى ردّ القاضيي دعاوى المخاصمة، التشكيك بالصلاحيات، الحصانات، والضغط السياسي، ما سيحوّل الملف مجدداً إلى أزمة سياسية، إلا إذا كان القرار السياسي قد حُسم بوقف تعطيل القضاء، والسماح له بإكمال مساره، مع ضمان حق الدفاع وقرينة البراءة وتنفيذ أي قرار وفق القانون على الجميع، من دون استثناء أو استنساب. وبالرغم من نفي وزير العدل عادل نصار كل التسريبات التي صدرت، رافضاً ما تم التداول به عن مصادر قضائية، مؤكداً أن المسار القضائي يسلك طريقه، إلا أن الضرر حصل والرسالة من وراء التسريب أدت هدفها، لتظهر أن الوضع لم يتغير وأن القرار السياسي الحاسم للسلطة لم يصدر بعد.