لا تفوّت السبعينية سكنة غنوي مجلساً لها مع أقاربها وجيرانها الجدد في بيروت إلا وتذكر “العز” الذي كانت تعيشه في بلدتها حولا قبل الحرب التي بدأت في آذار الماضي، والتي لم تنجلِ تبعاتها إلى حدّ اليوم. "النهار" التقت غنوي، وعندما بدأت بالحديث عن الحياة التي تتمنّى العودة إليها، والتي باتت بالنسبة إليها اليوم حلماً صعب المنال، كانت الصدمة: حياة بسيطة، منزل أرضي احترق نصفه في حرب إسناد غزة التي توسّعت في أيلول عام 2024، وأرض أعيد زراعتها على عجل بالتبغ بعد العودة التي تحققت بعد نحو شهرين من وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه الذي توسّع به الإسناد. غنوي واحدة من آلاف وربما عشرات الآلاف الذين خسروا منزلهم الوحيد الذي يعرّفه الفلاسفة عبر القرون، وبعدهم علماء النفس، "المكان الوحيد الآمن" لكل إنسان في هذا العالم. أبرز من تحدث تاريخياً عن هذه النظرية كان العالم الفرنسي غاستون باشلار، الذي اعتبر أن المنزل ليس مجرد بناء مادّي، بل فضاء حميمي تتراكم فيه ذكريات الإنسان وأحلامه وشعوره بالأمان. ففي كتابه الشهير “جماليات المكان”، يتعامل مع البيت بوصفه أحد أهم الأماكن التي تمنح الإنسان الإحساس بالحماية والخصوصية. ليس من المبالغة القول اليوم إن من خسر منزله يعاني من انعدام في الأمان والخصوصية وراحة البال، حتى إن كان باستطاعته تأمين منزل بديل. بحسب آخر تحديث للمركز الوطني للبحوث العلمية، ثمة نحو 100 ألف وحدة سكنية دُمّرت وتضررت في الحرب بين آذار وتموز الـ2026، تُقدّر كلفة إعمارها بنحو 5 مليارات دولار في أقل تقدير. خلف هذه الأرقام والأعداد قصص تهجير ومعاناة لا تُحصى. محمد قبيسي الذي يتقاسم اليوم منزلاً مساحته 120 متراً في رأس النبع مع عائلتين يقول لـ”النهار”: "نعيش 18 شخصاً في منزل واحد، ثلاث عائلات خسرنا منازلنا في الضاحية في مبنيين متلاصقين، ولا قدرة لكل منا على أن يستأجر منزلاً خاصّاً لعائلاته، لذا كان الحلّ أن نجتمع في منزل واحد إيجاره الشهري 500 دولار"، ويضيف: "نحاول أن نقضي غالبية أوقاتنا خارج المنزل، ونأتي إليه فقط للنوم، لكن أظن أن ذلك حلّ يمكن أن يستمر لأشهر". أما ابن الـ18 عاماً حسن الرمح، الذي خسر منزل طفولته في منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية لبيروت، فيشير في حديثه لـ"النهار": "قبل اندلاع الحرب كنت أدرس لامتحانات الثانوية العامة، وكنت أسعى للحصول على درجة جيد جداً، لكن بعد النزوح لم أستطع استعادة تركيزي في المنزل الجديد المستأجر، حتى كتبي لم يتسنَّ لي إخراجها". من الحلول التي لا تزال متوافرة للناس، ولا سيما الفقراء الذين خسروا منازلهم، اللجوء إلى مركز إيواء. الستينية مريم المصري التي لم تستطع العودة إلى دير قانون النهر قضاء صور، على الرغم من عودة الحياة إلى البلدة، لأن منزلها تعرّض لغارة قبل أيام من وقف إطلاق النار، لا تزال تعيش في خيمة لا يتعدّى عرضها ثلاثة أمتار في باحة مدرسة ابتهاج قدورة في مجمع المدارس في منطقة بئر حسن. حاولت "النهار" الحديث معها عن ذكرياتها في المنزل، فكررت القول "الواحد بيته قميصه"، وتضيف: "تخيّل أننا نقف هنا في طابور صباحاً ومساءً على المراحيض والغاز والغسالة". الجدير ذكره أن مجمع المدارس في بئر حسن، الذي يضم 8 مدارس، لا يزال يستقبل نحو 200 عائلة، غالبيتها بلا منازل، وعدد مشابه يقطن أيضاً في مدارس مدينة صور. وبحسب معلومات "النهار"، باشرت قوى الأمن الداخلي جولاتها على هذه المدارس لإعلام المسؤولين عنها بضرورة الإخلاء، تمهيداً لبدء العام الدراسي لعام 2026-2027.