لا يتشكّل نظام الطاقة العالمي بفعل آليات العرض والطلب فحسب، بل تساهم في صوغه أيضًا البنى الجيوسياسية التي تؤثر في إنتاج موارد الطاقة ونقلها وتسعيرها. وفي ظل تأرجح إيران بين حالتَي الحرب واللاحرب، يمارس نظام الطاقة العالمي تأثيرًا غير متوقع في الاقتصادات الوطنية وديناميات السوق. وتساهم حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي المتركّزة في الممرّات البحرية الضيقة (chokepoints) - وتُعرف أيضًا بنقاط الاختناق الحيوية، وأبرزها مضيق هرمز الذي تمرّ عبره كميات كبيرة من تجارة الطاقة العالمية - في تشكيل نظام الطاقة العالمي. وقد خلّف تصاعد التوتّرات في المنطقة آثارًا فورية وبعيدة الأمد في أسعار الطاقة العالمية، وسلاسل التوريد، والاستقرار الاقتصادي الكلي، ولا تزال انعكاساته مستمرّة حتى اليوم. وتترتّب على الاضطرابات التي شهدتها إمدادات النفط العالمية تداعيات واسعة النطاق تطاول الدول، وخصوصًا تلك التي تعوّل بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز. وفي الوقت نفسه، أطلقت أزمة الطاقة الدولية هذه تحوّلًا سريعًا ولامركزيًّا إلى حد كبير نحو الطاقة المتجدّدة، ولا سيما في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة. ولا يُعزى هذا التحوّل، بالدرجة الأولى، إلى سياسات المناخ، بل إلى متطلّبات الضرورة، ومقتضيات البقاء الاقتصادي، والمخاوف المتعلّقة بأمن الطاقة. يحلّل تقييم الحالة هذا آثار عدم الاستقرار الجيوسياسي في مضيق هرمز في تطوير الطاقة المتجدّدة تحديدًا. ويبحث في كيفية انعكاس ذلك على لبنان، وهو البلد الذي يعاني أزمة كهرباء مزمنة، فضلًا عن انهيار بناه التحتية في قطاعَي المال والطاقة منذ عام 2019، ما يجعله شديد التأثر بصدمات الطاقة العالمية. وقد شكّلت أزمة عام 2019 حافزًا لـ "الثورة الأولى للطاقة الخضراء" في البلاد، حيث سرّعت التحوّلات البنيوية نحو الطاقة المتجدّدة. ويستكشف التقييم الإطار الحالي للطاقة في البلاد، مستندًا إلى البيانات المتاحة بشأن أنماط استهلاك الطاقة ومنشآت الطاقة المتجدّدة في لبنان. ويسعى إلى رصد أحدث التطوّرات في المجالَين القانوني والمؤسّسي، ويتساءل عما إذا كان الوضع الراهن سيؤدّي إلى طفرة جديدة في تركيب أنظمة الطاقة المتجدّدة. ونظرًا إلى ما تفرضه أزمة الطاقة الدولية الراهنة على لبنان من تحدّيات جسيمة، يبحث هذا التقييم في ما إذا كانت هذه الظروف قد تفضي إلى "الثورة الثانية للطاقة الخضراء"، ما يفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة. تطوير الطاقة النظيفة على الصعيد العالمي: تشكيل ديناميات الطاقة وزعزعتها تُعدّ الطاقة عنصرًا أساسيًا في جميع القطاعات الاقتصادية تقريبًا، لذا تُحدث اضطرابات أسواق الطاقة آثارًا اقتصادية كلّية واسعة النطاق. وتتأثّر أسواق الطاقة في جميع أنحاء العالم بشدّة بحالات عدم اليقين الجيوسياسية. وقد أظهر صندوق النقد الدولي باستمرار أن صدمات أسعار النفط تميل إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي ورفع معدّلات التضخّم في آنٍ واحد، ما يولّد بيئة اقتصادية كلّية صعبة، ولا سيما بالنسبة إلى الاقتصادات المعتمدة على استيراد الطاقة، والتي تواجه ارتفاعًا في التكاليف وانخفاضًا في القدرة الشرائية. يتميّز الوضع الحالي في مضيق هرمز بطابع فريد في جغرافية الطاقة العالمية، حيث يُشكّل نقطة تركّز بالغة الحدّة. وتعتمد مجموعة من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم على هذا المضيق بوصفه المسار الرئيسيّ لصادراتها، ومنها المملكة العربية السعودية والعراق والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر وإيران. وقد صنّف البنك الدولي هذه النقاط الحرجة بوصفها "عُقد مخاطر نظامية" (systemic risk nodes) في منظومات البنى التحتية العالمية، ما يعني أن أي خلل في موقع واحد قد يخلّف آثارًا متسلسلة في الأسواق العالمية، حتى في غياب تعطّل مادي فعلي. وفي هذا السياق، استقر متوسّط سعر النفط دون 100 دولار أميركي بقليل، على الرغم من أن المتوسط السنوي لسعر النفط الخام راوح، في السنوات العشر الماضية، ما بين 41.3 دولارًا أميركيًا كحد أدنى و97.1 دولارًا أميركيًا كحدّ أقصى، كما هو مبيّن في الرسم البياني أدناه. تتّخذ دولٌ عدة تدابير قصيرة ومتوسّطة الأجل للحدّ من ارتفاع الأسعار؛ منها زيادة الإمدادات من دول مختلفة حول العالم، وخفض الأسعار المحلّية، والأهم من ذلك، الإفراج عن كميات من احتياطيات النفط الاستراتيجية. إلا أن أثر هذه التدابير متفاوت بين المناطق؛ إذ تستطيع الاقتصادات الصناعية استيعاب صدمات الأسعار بفضل الدعم أو تنوّع أنظمة الطاقة، في حين تبقى الاقتصادات النامية أكثر عرضةً لهذه الصدمات بكثير. وتميل فترات التقلّب الشديد في أسعار النفط إلى تعزيز الجاذبية الاقتصادية النسبية لأنظمة الطاقة المتجدّدة. وقد أكّدت الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة (International Renewable Energy Agency – IRENA) أن ال