في جلسة مساءلة الحكومة اللبنانية، لم تكن الدقائق مجرد وحدة لقياس الوقت، بل تحولت إلى "عملة نيابية" يتبادلها النواب، فيُعير أحدهم زميله دقيقة، ويتنازل آخر عن نصف دقيقة، فيما يلاحق رئيس المجلس نبيه بري المتحدثين بالثواني. "نصف دقيقة"، "ثلاث ثوانٍ"، "دولة الرئيس ما بيصير، بعد ما حكينا"... عبارات ترددت فيما كان النواب يقاتلون الوقت، ويختصرون ملفات الحرب والسلم والكهرباء والرواتب وأموال المودعين في مداخلات محكومة بجرس النهاية. لكن الوقت لم يكن وحده موضع نزاع. اعترض النائبان سيزار أبي خليل وسيمون أبي رميا على عدم منح المعارضة الوقت الكافي أسوةً بسائر النواب، بينما أخذ نواب آخرون يحسبون ما تبقّى لهم من دقائق كأنهم في سباق مع الساعة. من "كلمة الوطن" إلى "جماعة إسرائيل" بدأت الكلمات بالدعوة إلى أن يكون النواب "كلمة الوطن لا كلمة فريق"، وبالتحذير من أن كل يوم تأخير يدفع اللبناني ثمنه ذلاً وتراجعاً، قبل أن ترتفع حرارة السجال وتختلط عبارات السيادة والإصلاح والحوار باتهامات العمالة وشد العصب الطائفي. وخلال كلمة النائب ميشال معوض، قاطعه النائب إيهاب حمادة مستعيناً ببيت من الشعر نُسب إلى الإمام الشافعي: "يخاطبني السفيه بكل قبحٍ... فأكره أن أكون له مجيباً". وأضاف حمادة: "لكي لا يُسجّل أننا نصمت، نحن نصمت على السفهاء وعن السفهاء وعن الكذب"، قبل أن يقول: "روح شوف الإسرائيلي شو حكي عن علي الطاهر". وسرعان ما اندلع سجال بينه وبين عدد من النواب، فقال حمادة: "جماعة إسرائيل"، ليرد عليه النائب زياد حواط: "أنتم أدخلتم إسرائيل إلى البلد". وتدخل بري على وقع السجال الذي شارك فيه حواط ووضاح الصادق، قائلاً: "يا عيب الشوم"، بعدما تجاوز النقاش حدود الاختلاف السياسي ووصل إلى تبادل عبارات حادة وشتائم، بينها "روح انقلع". وكما حضرت الأرقام والاتهامات، حضر الشعر أيضاً، تارةً للهجاء وتارةً للاستشهاد، في جلسة بدا فيها أن البيت الشعري قد يكون أحياناً أسرع من البرنامج الإصلاحي وأكثر قدرة على إشعال القاعة. رئيس الحكومة نواف سلام (حسام شبارو) وبين "سيادة، سلام، إصلاح" وعبارات مثل "الميثاقية" و"الحوار" و"التوافق"، حذّر نواب من تحول هذه المفاهيم إلى شعارات فضفاضة، مؤكدين أن التوافق لا يعني فرض رأي فريق على الآخرين، وأن السلم الأهلي "لا يُحمى بتبويس اللحى". وقال أحد النواب إن المطلوب من الحكومة "أكثر لا أقل"، محذراً من تأجيل تنفيذ قرارات الخامس والسابع من آب، فيما علت مطالبة مباشرة: "بدنا مصاري يا دولة الرئيس، من المغتربين والمستثمرين والمساعدات الدولية". الجنوب والرواتب وأموال المودعين وسط الصخب، شقّت هموم اللبنانيين طريقها إلى القاعة. النائب فريد البستاني كرر أن الحد الأدنى لدخل عائلة من أربعة أشخاص يجب أن يبلغ ألف دولار شهرياً، فيما قالت النائبة بولا يعقوبيان: "لماذا لا يُسلَّم ما تبقى من جنوب غير محتل إلى الدولة اللبنانية؟". أما النائب شربل مسعد، فلفت إلى أن راتب المواطن لم يعد يكفيه بعدما خسر أمواله، متسائلاً عن المحاسبة، ومشدداً على أن أموال المودعين "خط أحمر"، ولا يجوز مطالبة المواطنين وحدهم بتحمل الخسائر. ووصلت إلى وزيرة التربية رسالة نيابية تطالب بإعفاءات من الرسوم، فيما ارتفعت أصوات تطالب بإقفال الصناديق التي تستنزف الدولة. أما ميشال معوض، فاتهم "حزب الله" بجرّ لبنان إلى حربين دفاعاً عن النظام الإيراني، لتأتيه المقاطعات والردود من الجهة المقابلة، في مشهد اختصر الانقسام كله بين سؤالين: بأي سيادة نتغنى والعدوان مستمر؟ وكيف يمكن إنقاذ اقتصاد بلد لا تملك دولته قرارها؟