أفضت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى فرنسا ولقاؤه بالرئيس إيمانويل ماكرون الاثنين الماضي، إلى الإعلان عن مشروع "ضخم" تموله الرياض لإنشاء ثلاث مدن ترفيهية قرب باريس، باستثمارات تصل إلى نحو 7 مليارات دولار. وتأتي هذه الجولة في ظل مساعي السعودية لتعزيز استقلاليتها من خلال تطوير علاقاتها مع كل من واشنطن وبكين وموسكو، وكذلك مع تركيا وباكستان، وفقاً لشبكة "دويتشه فيله" الألمانية. فعلى الصعيد الدبلوماسي، تناول ولي العهد السعودي مع ماكرون محاور أساسية بشأن قضايا الشرق الأوسط، من ملف إيران إلى الوضع في لبنان مروراً بالطاقة والدفاع، في وقت تسعى فرنسا للحفاظ على نفوذها في المنطقة مع تطوير علاقتها الاقتصادية مع المملكة. بهذا الشأن، تناول تحقيق نشرته صحيفة "معاريف" العبرية الزيارة، وقالت إن الصفقة الضخمة بين ماكرون وبن سلمان ليست سوى الجزء الظاهر على السطح، مشيرة إلى أن الرابط بين مدينة الملاهي السعودية في فرنسا ولبنان، هو محاولة لإعادة العمل بالقرار 1701. ويهدف القرار 1701، الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي بالإجماع عام 2006، إلى وقف الهجمات بين دولة الاحتلال و"حزب الله"، والتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنشاء منطقة عازلة جنوبي لبنان. وقال ضابط الاحتياط بجيش الاحتلال عميت ياغور، إن وراء الاستثمار الضخم الذي ستنفذه شركة "قدية" السعودية بتمويل بناء مدينة ملاهي على مشارف باريس، ليس سوى تمويه إعلامي، تكمن خلفه خطوة جيوسياسية عميقة. فبالنسبة لماكرون، هي ضخٌّ كبير لرأس المال في الاقتصاد الفرنسي وسيُقدَّم كإنجاز رئاسي له؛ أما بالنسبة لابن سلمان، فهي تلميعٌ للصورة، واستمرارٌ لمسيرة كسب النفوذ السياسي في قلب أوروبا، واستعراضٌ آخر للاستقلالية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يُؤكِّد أن الرياض لديها بدائل استراتيجية. وأضاف ياغور، إنه إذا ما تم التعمق في التفاصيل، فسيتضح أن الساحة الحقيقية التي تلتقي فيها المصالح ليست بالضرورة باريس، بل بيروت. ففي بيان مشترك بين ماكرون وبن سلمان، أشار الرجلان إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 بشأن لبنان. وأوضح أن كلا الزعيمين تحدثا في سياق واحد تقريباً عن نزع سلاح المنظمات غير الحكومية (في إشارة قوية إلى حزب الله)، ودعوتهما إلى انسحاب إسرائيلي كامل، والدعم الهائل الذي يعتزمان تقديمه للجيش اللبناني. فخلال السنوات الأخيرة، أدركت فرنسا فشلها في محاولاتها لاستعادة مكانتها في لبنان في ظل غياب النفوذ الاقتصادي، وبالتالي فإن الحل يكمن عبر الاعتماد على "الدعم السعودي". أي ووفقاً للكاتب، ستوفر فرنسا الدبلوماسية والشرعية الدولية والمنصة، بما في ذلك مؤتمر لدعم الجيش اللبناني من المقرر عقده قريباً في باريس، بينما ستوفر السعودية الدعم المالي والمساندة العربية. وأشار عميت ياغور إلى أن الاختبار الإقليمي لم يعد يقتصر على المستوى العسكري والقوة النارية في جنوب لبنان، بل أصبح يدور حول مسألة من سيُشكِّل لبنان وأي كتلة ستسيطر بشكل حصري على إعادة الإعمار والنفوذ في بيروت. وتطرق الكاتب إلى أربع كتل مركزية تتشارك في صراع استراتيجي من أجل لبنان، وهي المحور الشيعي الإيراني: محاولة الحفاظ على نموذج "الدولة المزدوجة" والتعافي من الضربات التي تلقاها، مع استخدام آليات الدولة في بيروت كغطاء لنشاط حزب الله. وأيضاً، المحور التركي السوري، حيث تدرك أنقرة حجم الفراغ الذي يعاني منه المجتمع السني في لبنان، فيما تسعى إلى تعزيز نفوذها المدني والسياسي في البلاد، وفي الوقت نفسه، تبحث دمشق عن مسار لاستعادة نفوذها السابق في بيروت. أما المحور الفرنسي السعودي، فهو يقترح نموذجاً لـ "نظام جديد"، يتمثل بإعادة بناء مؤسسية اقتصادية وعسكرية، مصممة لقمع النفوذ الإيراني والتركي، ولكن في ظل شروط تمليها باريس والرياض. وبالنسبة لمحور الولايات المتحدة وإسرائيل، فهو الذي يهتم بوضع الحكومة اللبنانية والتطبيع المستقبلي (اتفاقيات إبراهيم) مع إبعاد اللاعبين الأجانب مثل فرنسا، الذين ضمنوا حتى الآن الحفاظ على النظام القديم. وهنا يحذر عميت ياغور، قائلاً إن الخطوط العريضة الفرنسية السعودية تمثل ظاهرياً فرصة (نزع سلاح المنظمات غير الحكومية وتعزيز الدولة)، ولكنها في الواقع تنطوي على مخاطرة عملية وسياسية خطيرة ضد مصالح إسرائيل وأمريكا. وأضاف، إن تجديد الحوار الذي تقوده فرنسا بشأن القرار 1701 يعني إنشاء آليات إنفاذ ناعمة، وتجاهل الاحتياجات الأمنية الفورية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وخلق حصانة دولية للجيش اللبناني، دون ضمان تفكيك البنية التحتية لحزب الله ونزع سلاح المنظمة فعلياً. وشدد الكاتب على ضرورة إظهار تل أبيب هيمنتها في الساحة اللبنانية وألا تتجاهل الكتلة الناشئة للرياض وباريس، وهي نفس المملكة العربية السعودية التي وقعت مؤخ