لم يكن الفضاء مجرد حاضن محايد للعرض، بل بدا وكأنه امتداد للعالم المسرحي نفسه، فضاء مفتوح على الذاكرة والغياب والبوح. قدّم "يطير الحمام" على سطح "استوديو لبن" في بيروت ضمن فعاليات "سطوح الوصل"، من إخراج ريان ناصر وتمثيل حسن عقول، ساندرا عبد الباقي، ومحمد طالب. نصوص من قصائد لبسام حجار وكافكا وصموئيل بيكيت تتقاطع مع نصوص من الذاكرة الحية للممثلين أنفسهم تتحدث عن العلاقة مع الآباء والتباسات عواطفها بين الحب والفقد والعتب، بين الحضور الغائب والحضور السلطوي والفقد الشخصي وشوق الفراق. عرض مثقل بالحكايات، يبدأ على خلفية السواد، ثم تنفتح لعبة الظلال وحركة الزمن وبطئه المثقل حامل القصص والتكرار الحركي المُنتج للمعنى. يرتكز عرض "يطير الحمام" على ثنائية الحضور والغياب. فالخشبة تستقبل أجساداً حية، لكنها في الوقت نفسه مشغولة بما غاب، بالآباء، وبالطفولة، وبالصور القديمة، وبالحكايات المهددة بالنسيان. من هنا تبدو الخشبة أقرب إلى نافذة مشرّعة على الذاكرة منها إلى مساحة تقليدية لعرض الأحداث. فالماضي لا يعود في صورة سرد خطي متكامل، وإنما يظهر عبر شظايا بصرية وجسدية وصوتية. المشاهد السينمائية بالأبيض والأسود من توقيع المخرج اليوناني ثيودوروس انغيلوبولوس، والتي تظهر في الخلفية، لا تقدم الماضي باعتباره حقيقة مكتملة، بل باعتباره أثراً بصرياً عن ذاكرة أفراد وجماعات، عن قصص حب وأحلام ثورات أُجهز عليها، وعنف حروب مرت من هنا. الصورة المسجلة تستعيد ما غاب، بينما يحاول الجسد الحي استعادته في اللحظة الراهنة. وبذلك تتحول الخشبة إلى منطقة وسيطة بين زمنين: زمن مضى لا يمكن استعادته، وزمن حاضر يحاول أن يعيد إنتاجه. تتقاطع بنية العرض مع طبيعة الذاكرة ذاتها؛ فالذاكرة ليست أرشيفاً محايداً يستعيد الأحداث كما وقعت، وإنما عملية انتقاء وإعادة تركيب. إنها تستعيد تفاصيل بعينها، وتسقط أخرى، وتخلط الواقعي بالمتخيل. وهذا بالضبط ما يفعله العرض حين يضع الحكايات الشخصية في تماس مع قصيدة "أحاديث خافتة" لبسام حجار الذي يطلب فيها أن يذهب المتقاتلون "إلى الحرب أو الى الجحيم فقط أغلقوا الباب وراءكم". أو أن يمحو الأب وجهه مثلما محت الأمطار وجه ابنه على الملصق في رواية "الوجوه البيضاء" لإلياس خوري. ذاكرة يعاد تركيبها على المسرح بكلمات متشظية من صموئيل بيكيت. رسائل تمرّر وتتقاطع بين الشخصي والذاتي للممثلين، تُرسل إلى آبائهم كما يرسل كافكا رسائله إلى أبيه. أبرز ما يميز تجربة "يطير الحمام" جرأتها على إبطاء الزمن المسرحي. تختار ريان ناصر أن تثق في قدرة المتلقي على الانتظار. تظهر الأجساد في زوايا الخشبة بثبات واضح، ثم تبدأ التحرك ببطء شديد. ولا تبدو هذه الحركة البطيئة مجرد تباطؤ في الأداء، بل تتحول إلى إيقاع داخلي يسمح للحالة المسرحية بالتشكل، داخلة في الضوء المتقشف، أو خارجة منه. الصمت ليس فراغاً بين الكلام، بل لغة تكمل المعنى، أو المعنى الذي تنتجه أجساد الممثلين حاملة المعنى المكثف، أجساد وظلالها على الجدران الفارغة ترسل إلى مخيلة المتلقي ليكمل المعنى وظلّه، او ليتماهى مع مَشاهد فيلم مرئي يستعيد الماضي ويثبته في صور تمرّ على الخشبة أو في شريط ذاكرة المتلقي، دعوة للتذكر أو النسيان. تتكرر كلمة الحكاية في عرض "يطير الحمام"، لا بوصفها وسيلة للسرد، بل وسيلة للبقاء. فالحكايات التي يرويها الممثلون عن آبائهم ترتبط مباشرة بالخوف من فقدان ما تبقى من الذاكرة. الحكاية "لا تموت ما دام هناك من يرويها"، هذا هو مفتاح العرض الذي يحتفي بالمرويّ والمُختزَن الشخصي والفَقد حيث لا يموت الانسان إلا حين يُنسى.