بشار فيوض، كاتبٌ سوريّ في الرابعة والثلاثين، تخرّج في طبّ الأسنان بدمشق ثمّ هجره إلى الكتابة. نشأ شغفه بالأدب طفلاً، فنُشرت قصصه في مجلّات الأطفال. خلال الحرب كتب ما رآه توثيقاً، ونشر سنواتٍ طويلة باسمٍ مستعار هرباً من الأجهزة الأمنية، رافضاً الخدمة العسكرية ومغادرة البلاد. من جرمانا، وبعد سقوط النظام، وقّع باسمه للمرّة الأولى مجموعتَه "رُبَاع" الصادرة عن دار دلمون الجديدة. ـ لنعُد قليلاً إلى ما قبل النصّ. تتشكّل "رباع" في ضاحيةٍ حكوميةٍ مُحدَثة شبهِ منفيّة، يورِّث فيها الآباءُ أبناءَهم خوفَهم مُتلبّساً صورةَ تقديسٍ عنيف للدراسة، ظاهرُه حبُّ التعلّم وواقعُه انتفاءُ أيّ بديلٍ للبقاء. حدِّثنا عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي تكوّنتَ في داخلها، وكيف ترشَح اليوم في تفاصيل خياراتك ولغتك؟ في الحقيقة فقط القصة الأولى من الرباعية الأولى هي التي تدور احداثها في ذلك المكان، ثم تنتقل الأحداث إلى مناطق أخرى منها محيط العاصمة "الافتراضية"، مدينة صغيرة حديثة، رباعية "كَلَب" تجري احداثها في موقع جغرافي معزول قرب ثكنة عسكرية، والأحلام في واقع سوريالي خيالي. هذا التنوع المكاني في الرباعيات الثلاث هو - بشكل جزئي – انعكاس لتنوع البيئات التي نشأت فيها، حيث اضطرت عائلتي للانتقال عدة مرات قبل الحرب، وهذه البيئات تشكل بجموعها وتقاطعاتها وتواصلاتها البلاد التي نعيش فيها، وهي غير محددة بالمناسبة، حرصت على عدم ذكر أسماء أشخاص أو أماكن تعطي أي انطباع بانتماء جزئي قد يشوش على الحدث بذاته ويعطيه أبعاداً ضيقة. شخصياً، حرصت منذ فترة مبكرة من نشأتي على بناء مكتبة متنوعة قدر الإمكان، لتعويض "الأحاديات الثقافية" الشائعة في كل منطقة عشت فيها، لا سيما بعد الاستقطاب الحاد الذي رافق السنوات الـ15 الماضية، وهذا التنوع المقصود في المصادر الثقافية انعكس عندي يقيناً بوجود عدد لا محدود من وجهات النظر للمواضيع التي تبدو بديهية لكل طرف، وهذا مثلاً ما حاولت عكسه في رباعية "كَلَب" وتعدد رواتها للحدث نفسه. ـ يُقال إنّ القصّة تكتمل في الرأس قبل أن تبلغ الورق. حدِّثنا عن الطريق الذي قطعته "رباع" قبل النشر: من البذرة الأولى إلى صورتها الأخيرة، وما الذي تبدّل في أثناء الكتابة، وأيُّ المشاهد سبق سواه إلى الوجود؟ الكثير من قصص "رباع" نشأت من فكرة بسيطة ظاهرياً، تبدأ كبذرة ثم تتراكم عليها شذرات من مواقف واحداث وقصص حصلت في الواقع وتم تخزينها في الذاكرة، وفجأة تنبثق الروابط بينها فتتبلور في قصة "متكاملة"، منسجمة مع نفسها ومع منطقها الخاص. والترتيب لاحق على الكتابة، فهو بحد ذاته جزء مستقل من الكتابة ولا يعتمد بالضرورة على الترتيب الزمني لتدوينها، لاسيما وأني حاولت طرح أسلوب جديد من التقديم يعتد على الرباعيات التي يمكن قراءة كل قصة منها على حدة، ولكل أربع منها فكرة جامعة في نفس الوقت. ـ يتوزّع الراوي الواحد على وجوهٍ يكاد لا يجمعها جامع، المتطوّع الصغير وقائد الثّكنة والقنّاص في الصهريج حتى الكلبِ الذئبيّ ذي العينين المختلفتين. ننتقل بينها فيخامرنا الشكّ: أهو شخصٌ واحد تُقطّعه الحرب، أم بشرٌ شتّى توحّدهم؟ ما الذي وجّه خياراتك في رسم هذه الشخصيات، ولماذا منحتَ الراوي هذا الكمّ من الأقنعة بدلاً من قناعٍ واحد؟ تحديداً حتى لا يكون راوياً. لم أرد أن يكون للقصص راوٍ تقليدي، وأردت عكس فكرة تنوع وجهات النظر لأقصى حد ممكن، لذا لجأت للحيلة الأبسط وهي جعل كل وجهة نظر تتحدث بحريتها، وبعيداً عن أي تأثر بالآخر، على العكس، فكل شخصية تغوص في ماضيها الخاص وتجاربها التي أوصلتها للحدث المركزي، وفي "كلب" تحديداً كان الحدث تقاطعاً ملموساً لأبعد الحدود لعدد من المسارات المختلفة لسكان البلاد. هناك نقص حقيقي في الاطلاع على روايات الآخرين في هذه البلاد والبلاد المشابهة لها، وقد حاولت بشكل بسيط كسر الثقة الشديدة التي تصبغ معتقدات ومواقف الكثيرين، عبر طرح الأمور من وجهات نظر متعددة لحادثة واحدة، فكيف بحوادث وقضايا أكبر. ـ تستعير في "رباعية الأحلام" عبارةً لجوزِف كامبل من كتابه "البطل بألف وجه"، على أنّ بطلك يبدو نقيضَ بطل الأسطورة، حيث لا يَعبُر العتبةَ ولا يعود بالإكسير، إذ يظلّ معلّقاً عند سواترَ وصخورٍ وحبوبٍ مؤجَّلة. كيف تقرأ رحلة البطل السوريّ في نصّك؟ وما مواصفات هذه الشخصية التي تُكتب رحلتُها تحت عنوان ما لم يحدث، لا ما حدث؟ الأحلام هي انعكاسات حداثية لجوهر القصص الأسطورية، الميثولوجية، التي حللها كامبل وخرج منها بنوع من المخطط الدائري. تحاول الاحلام إعادة طرح الصراعات التي يواجهها بعض الأفراد في المجتمعات الذين لا يرضون بالسائد المفروض بكل بساطة، وذلك عبر وضع الشخص في مواقف يكون فيها شاهداً فاعلاً أكثر من كونه بطلاً تقليدياً، والحداثة في القصص تشكل بيئة مضادة أصلاً لفكرة البطولة، لكنها تترك