عيد ميلاد. أول يوم مدرسة. عطلة على شاطئ البحر. نلتقط الصورة، وننشرها، ونمضي فرحين، من دون أن نسأل أنفسنا: إلى أين تذهب هذه الصورة بعد لحظة النشر؟ الجواب، كما تكشف سلسلة من التحقيقات الصحافية والسجلات القضائية خلال السنوات الأخيرة، أكثر قتامة مما يتخيّله معظم الأهل. فتلك اللقطة العابرة، بمجرد أن تُنشر، تكفّ عن أن تكون ملكًا لنا، وقد تصبح مادة للاستغلال جنسي لطفلك، بكلفة لا تتجاوز 0.04 سنتات من الدولار. صورة طفلك تدخل اقتصاد بيانات لا يعرف الرحمة منذ اللحظة التي نضغط فيها على زر النشر. ففي دراسة فحصت أكثر من 200 تطبيق يستخدمه أطفالنا يوميًا، وجدت مؤسسة Common Sense Media أنّ 73% منها يبيع بيانات العائلة أو يشاركها مع شركات الإعلانات، من دون علم المستخدمين ولا موافقتهم الصريحة. أي أنّ الطفل، الذي لم يقع بعد ضحية لأي جريمة، هو أصلاً، منذ لحظة تثبيت أحد هذه التطبيقات على هاتف أحد والديه، يصبح أصلاً رقمياً مربحاً لأطراف لا يعرف أحد هويتها. لكنّ هذا ليس أسوأ ما في القصة؛ إذ كشف تقرير رسمي فرنسي حقيقة أكثر إيلامًا: أكثر من نصف الصور المتداولة على منتديات استغلال الأطفال جنسيًا نشرها الأهل أنفسهم. أي من دون وجود أي مقرصن أو شخص غريب. صورٌ رُفعت بنيّة حسنة، على حسابات التواصل الاجتماعي المفتوحة أو شبه المغلقة. لكن قبل أن يبلغ الطفل الفرنسي الثالثة عشرة، يكون قد نُشرت له أكثر من 1300 صورة على الإنترنت. 1300 لحظة بريئة تحوّلت، واحدة تلو الأخرى، من ذكرى ومناسبة عائلية إلى سلعة. فالطفل لا رأي له في نشر صوره، ونحن، بعد نشرها، لا سيطرة لنا على مسارها. إنّها مفارقة العصر الرقمي: كلّما أحببنا أبناءنا أكثر، ووثّقنا تلك اللحظات بصور أكثر، نعرّضهم من دون قصد لخطرٍ أكبر. الإنترنت المظلم نماذج ذكاء اصطناعي كيف تتحوّل صورة إلى "شخصية" يُستغلّ باسمها طفل حقيقي؟ في أيار (مايو) 2025، كشف تحقيق أجرته منصة Núcleo البرازيلية بالتعاون مع مركز Pulitzer Center كيف يستخدم مرتادو منتديات الإنترنت المظلم نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر، مثل Stable Diffusion وFlux، لتحويل حفنة من الصور العادية المسروقة من حسابات أطفال حقيقيين إلى "شخصية" رقمية، يمكن بعدها توليد صور منها لاستغلالها عند الطلب وبكلفة لا تتجاوز أربعة سنتات للصورة الواحدة. في الحالات التي وثّقها التحقيق، استُغلّت ملامح 18 طفلاً على الأقل بهذه الطريقة. وبحسب مؤسسة Internet Watch Foundation البريطانية، قفز عدد البلاغات عن مواد استغلال جنسي مولّدة بالذكاء الاصطناعي 380% خلال عام واحد، لتصل إلى 245 حالة موثّقة في 2024. يقول Dan Sexton، كبير مسؤولي التقنية في المؤسسة: "أطفال عانوا من الاعتداء أصلاً (عند نشر صورهم) يعودون ويتعرّضون لها مجددًا، حين تُستخدم صورهم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أو التلاعب بها." أما المنصات الكبرى، فليست بريئة من هذه المعادلة. ففي تحقيق نشرته صحيفة Wall Street Journal عام 2023، استنادًا إلى دراسة أجراها باحثون من جامعتَي Stanford وMassachusetts، تبيّن أنّ خوارزميات Instagram، المصمّمة أصلاً لتقترح علينا ما "قد يعجبنا"، كانت تربط، بشكل مباشر، بين بائعي محتوى استغلال الأطفال ومشتريه. وفي العام التالي تقريبًا، وثّقت باحثة مسؤولة في منظمة Human Rights Watch وجود صور لأطفال حقيقيين، بينهم أستراليون وبرازيليون، نُشرت قبل سنوات بخصوصية شبه كاملة، داخل LAION-5B، إحدى أكبر قواعد بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي في العالم. فمن أصل 600 صورة تمكنت المنظمة من مراجعتها، عثرت على 41 طفلاً يمكن التعرّف على هويته، ما يوحي بأنّ العدد الحقيقي، ضمن القاعدة بأكملها البالغة 5.85 مليار صورة، أكبر بكثير. الدستور يحمي الخيال... فمن يحمي الأطفال؟ بين هذا وذاك، لم تعد المسألة نظرية: فقد أصبح الاستغلال والتسويق والتدريب الآلي حلقات في سلسلة واحدة، أوّلها صورة عائلية، وآخرها ربحٌ لا نعرف من يجنيه. والأسوأ أنّ القانون نفسه بدأ يتعثّر أمام هذه التقنية. ففي آب (أغسطس) 2026، قضت محكمة استئناف فيدرالية أميركية بأنّ حيازة صور استغلال جنسي للأطفال داخل المنازل باتت محمية بموجب الدستور في ثلاث ولايات أميركية (إلينوي وإنديانا وويسكنسن) شرط أن تكون هذه الصور من صنع الذكاء الاصطناعي حصراً، لطفل متخيَّل لا وجود له. وحتى القاضي الذي كتب القرار أقرّ بأنه قلق من الاتجاه الذي ترسمه هذه السابقة. لكنه اعتبر أن يديه مقيّدتان بأحكامٍ أقدم. غير أنّ كون الطفل في هذه الصور من نسج الخيال لا يُبرّئ الفعل من إثمه؛ إذ تُؤجّج مثل هذه المواد الطلب على استغلال أطفالٍ من لحمٍ ودم، وتمهّد الطريق أمام الأدوات ذاتها لتغدو، غدًا، سلاحًا يُشهر في وجوههم. في تموز (يوليو) 2026، أصبحت الإمارات أول دولة عربية تمنع الأطفال دون الخامسة عشرة