نجح رئيس مجلس النواب نبيه بري في تغيير وجهة جلسة مساءلة الحكومة في يومها الأول. فالجلسة التي كان يفترض أن تكون مناسبة لاستجواب رئيس الحكومة نواف سلام ووضع حكومته أمام أسئلة سياسية مباشرة، تحولت إلى مساحة لإدارة الخلاف وتنفيس الاحتقان، من دون السماح له بالتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة أو إلى تهديد لاستمرار الحكومة. منذ البداية، بدا أن بري لا يريد للجلسة أن تأخذ شكل مساءلة تقليدية لرئيس الحكومة. فعوض أن يبدأ النواب بأسئلتهم وملاحظاتهم، فيجد سلام نفسه في موقع الدفاع، عكس بري ترتيب الأولويات وأعطى رئيس الحكومة الكلام أولاً. وتحدث سلام لأكثر من نصف ساعة عن الحكومة وعملها، مقدماً رواية حكومته ومدافعاً عن خياراتها، قبل أن يفتح بري المجال أمام النواب لتسجيل مواقفهم واعتراضاتهم. كان لذلك معنى سياسي واضح. فسلام لم يدخل الجلسة محاصراً بأسئلة النواب، بل من موقع من يريد شرح خيارات حكومته وتثبيتها، ولا سيما في ما يتعلق بالتفاوض والإصلاح وحصر السلاح، التي قدمها بوصفها مسارات مترابطة لاستعادة الاستقرار وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار. كانت الجلسة هادئة وروتينية، بلغت حدّ الملل أحياناً، وانعكس ذلك على سلوك النواب أنفسهم: خروج ودخول أثناء المداخلات، انشغال بالهواتف، وأحاديث جانبية بين الكتل. لكن هذا الهدوء لم يكن يعني غياب السياسة. على العكس، أظهرت الجلسة حجم الانقسام حول المرحلة المقبلة، ولا سيما في الملفات الأكثر حساسية، من قرار الحرب والسلم والسلاح، إلى المفاوضات والاحتلال الإسرائيلي وإعادة الإعمار. وهو انقسام لا يبدو أن أياً من أطرافه يريد، في هذه المرحلة، تحويله إلى مواجهة سياسية مفتوحة، بقدر ما يسعى إلى إبقائه ضمن اشتباك مضبوط تحت سقف استمرار المؤسسات والحكومة. في البداية، أعطى السجال بين النائب علي عمار والنائبة بولا يعقوبيان انطباعاً بأن النقاش قد يتحول سريعاً إلى مواجهة حامية. فالملفات المطروحة تختزن خلافات تتجاوز الحكومة الحالية إلى شكل المرحلة المقبلة ومستقبل التوازنات السياسية في البلد. إلا أن السجال لم يأخذ مداه، وبقيت المداخلات ضمن حدود يمكن ضبطها، ولم تنتقل حرارة الكلام الأولى إلى مجمل الجلسة. وحتى السجال الذي وقع قبل رفعها بين النائب زياد حواط والنائب إبراهيم الموسوي لم يتحول إلى اشتباك سياسي واسع. كان بري حاضراً في هذا المسار. لم يمنع النواب من الكلام، لكنه لم يسمح للخلاف بأن يتحول إلى مسار تصعيدي متدحرج. بقي المجلس مفتوحاً أمام المواقف والاعتراضات، لكن ضمن الإيقاع الذي فرضته رئاسة المجلس. وهكذا، لم يكن هدوء الجلسة مؤشراً إلى غياب الخلاف، بل إلى إبقائه تحت السيطرة. حضرت الملفات الخلافية، وسُجلت المواقف والاعتراضات، لكن من دون أن تتحول الجلسة إلى مواجهة سياسية واسعة. في المقابل، لم يبدُ أن بري يريد تحويل المجلس إلى منصة لمحاصرة الحكومة أو وضعها في مواجهة سياسية مفتوحة. ولو كان الهدف إضعافها إلى حد الشلل، أو دفعها إلى موقع الدفاع المستمر، لكان ترتيب الجلسة ومجرى المداخلات مختلفين. لكن ما حصل كان العكس: أعطيت الحكومة مساحة للكلام، وفُتح المجلس أمام النواب لتسجيل مواقفهم، من دون أن يتحول الخلاف إلى مسار يستهدف الحكومة أو يهدد استمرارها. في هذا السياق، لا تبدو مداخلة المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل منفصلة عن طريقة إدارة الجلسة. حين قال "قد نختلف في السياسة وفي قراءة المخاطر وقد تبلغ الاختلافات حدّاً، لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى قطيعة وإلى تحريض بين اللبنانيين"، مضيفاً أن "لبنان لا يُبنى باستهداف أحد بل بالشراكة والحوار والدولة ومؤسساتها"، كان يرسم، إلى حد بعيد، السقف السياسي لهذا النوع من إدارة الخلاف. فالمسألة ليست في منع الاختلاف أو إخفاء حجم التناقضات القائمة، بل في منعها من الانتقال إلى مستوى آخر: القطيعة أو المواجهة داخل المؤسسات. وهذا ما عكسه مسار الجلسة نفسها. ترك بري للنواب هامشاً واسعاً في الاعتراض والتصويب، لكنه أبقى النقاش ضمن حدود يمكن احتواؤها، بما يسمح بتسجيل الخلاف من دون تحويله إلى أزمة سياسية جديدة. بهذا المعنى، كان دور بري أقرب إلى إدارة التناقضات منه إلى حسمها. فهو غير القادر، في هذه المرحلة، على إزالة الخلاف حول السلاح والتفاوض والحرب والسلم، قادر على إبقاء النقاشات تحت سقف الحوار والمؤسسات، ومنع انتقاله من الاشتباك السياسي إلى كسر التوازنات القائمة. بذلك، لم تنتج الجلسة تسوية سياسية جديدة، لكنها أيضاً لم تنتج مواجهة. فالملفات الأساسية بقيت في مكانها. حزب الله لم يتخل عن مقاربته لملف السلاح والتفاوض، والقوى المطالبة بحصر القرار بالدولة لم تتراجع عن مواقفها، والحكومة لم تتخل عن مسارها. كل طرف سجل ما يريد قوله، ثم بقيت اللعبة السياسية ضمن قواعدها القائمة. لكن هذه ا