شهدت العاصمة السورية دمشق تحركات دبلوماسية رفيعة المستوى أعادت الزخم إلى مسار خريطة الطريق المتعلقة بمحافظة السويداء، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي، في لقاء بحث بشكل موسع تطورات الأوضاع في الجنوب السوري، والجهود المبذولة لتنفيذ التفاهمات المشتركة الرامية إلى استقرار المنطقة وضمان سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. وكان الشيباني قد أجرى بدوره سلسلة من المباحثات المكثفة في العاصمة التركية أنقرة، مع نظيره التركي هاكان فيدان والمبعوث الرئاسي الأميركي الخاص توم باراك، حول الملف نفسه. هذا الحراك السياسي المتسارع يأتي بعد فترة من الركود النسبي الذي طال خريطة الطريق الثلاثية الموقعة بين دمشق وعمان وواشنطن في أيلول/سبتمبر 2025. وتهدف الخريطة إلى إنهاء حالة الاستعصاء في المحافظة عبر مسارٍ تدريجي يشمل إعادة دمج السويداء في مؤسسات الدولة، وتأمين طريق دمشق-السويداء، وإعادة الخدمات الحكومية، والتعامل مع ملفات المعتقلين والمحاسبة على الانتهاكات، بما يضمن حقوق المواطنين وأمنهم في إطار وحدة الأراضي السورية. ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تمثل استكمالاً لمسار لم ينقطع تماماً، بل كان يخضع لمواءمات دولية ومحلية، مشيرين إلى أن النجاح النسبي الذي تحقق في خريطة الطريق المتعلقة بمناطق شمال شرق سوريا والاندماج المتواصل هناك، يمثل دافعاً لتكرار التجربة في السويداء. وتهدف اللقاءات التي جرت مؤخراً في أنقرة وعمان تهدف إلى بلورة حلول للمسائل الشائكة، وصولاً إلى تثبيت سيادة الدولة السورية وتحسين ظروف العيش للسكان الذين يعانون من تداعيات أزمة هذا الملف. وعلى المقلب الآخر، تبرز تحديات جوهرية تتعلق بالموقف الداخلي في السويداء، خاصة من ناحية وجود انقسام في الآراء تجاه هذه الخارطة. فبينما يرى تيار واسع من الأهالي ضرورة العودة إلى الحوار لتجنب الحلول العنيفة، لا تزال القيادات المحلية في السويداء، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري، تبدي تحفظاً أو رفضاً لهذه المسارات بسبب غياب التمثيل المباشر لها في المفاوضات. ويرى الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط، في حديث لـ"المدن"، أن ملف السويداء مرتبط بتوازنات دولية حساسة، لا سيما الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، معتبراً أن بعض الأطراف المحلية تحاول استثمار هذا العامل للحصول على ضمانات أمنية خارج الإطار الوطني السوري، بينما تعتمد السلطة في دمشق مقاربة تقوم على تقديم الخدمات وحلول أمنية جزئية، دون الدخول في تسويات سياسية شاملة مع القوى المحلية المتعنتة، وفق تعبيره. ويلفت قرقوط إلى أن ذلك ما يعزز حالة انعدام الثقة بين الطرفين، خصوصاً مع استمرار الخطاب الطائفي والتحريضي الذي يمارسه بعض الناشطين والمقربين من مراكز القرار، بحسب وجهة نظره. وتتداخل مع هذه التعقيدات السياسية مصالح قوى محلية نافذة تستفيد من استمرار حالة الفوضى لتنمية تجارتها غير المشروعة عبر المعابر والمناطق الحدودية، حيث تروّج هذه القوى لدعاية تحذر السكان من أن عودة مؤسسات الدولة سترافقها ممارسات تقيد الحريات الشخصية، مستغلة المخاوف الشعبية لعرقلة أي تقارب مع الحكومة المركزية، وهو ما يتطلب من الدولة السورية تكثيف إجراءات بناء الثقة من خلال تحسين الخدمات الأساسية وتوسيع قاعدة المشاركة المحلية في صنع القرار الإداري للمحافظة. ويقول الباحث في الشأن السياسي طلال المصطفى لـ"المدن"، إن "هناك مؤشرات على عودة المسار السياسي، لكنني لا أرى حتى الآن مؤشرات كافية على تسوية سياسية قريبة ونهائية، وإذا قصدنا بالمستقبل القريب الأشهر القليلة المقبلة، فأرجّح حلحلة تدريجية أكثر من اتفاق شامل". ويلفت المصطفى إلى أن "أبرز المؤشرات الإيجابية أن دمشق أعادت تنشيط الاتصالات حول خارطة الطريق، وأن الولايات المتحدة والأردن ما زالا منخرطين فيها، كما أن الحديث الرسمي الأخير أصبح يركز على تنفيذ الخارطة وليس مجرد إعلانها". لكن في المقابل، وحسب المصطفى، توجد عقبات جوهرية: غياب الثقة بين دمشق وقوى محلية مؤثرة في السويداء، الخلاف على شكل العلاقة مع الدولة المركزية، السلاح والأمن المحلي، ملف الانتهاكات والمحاسبة، وتضارب مواقف القوى الدرزية المحلية نفسها، وهذا الأخير مهم جداً، لأن أي اتفاق مع طرف واحد لن يكون كافياً لفرض تسوية مستقرة. وسط هذا الحراك الدبلوماسي السوري، يبرز دور المبعوث الأميركي توم باراك كلاعب محوري في هذا المسار، حيث أشاد بجهود الدبلوماسية السورية في خفض حدة التوتر، واصفاً الحوار والالتزام بضبط النفس بأنهما شكل من أشكال القوة، وداعياً في الوقت نفسه إلى حوار يحقق المساءلة ويمهد لعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمرته المواجهات. ويؤكد الباحث السياسي محمد زكوان كوكة لـ"المدن"، أن "تحركات الخارجية ال