ليس خافياً أن النيابة العامة التمييزية تبدي مطالعتها غير الملزمة للقرار الاتهامي الذي سيصدره المحقق العدلي في قضية انفجار المرفأ طارق البيطار، ومن ثم يكون القرار النهائي للأخير، بغض النظر عن مضمون المطالعة. بعد 6 سنوات على أكبر كارثة حلت بلبنان، أنهت النيابة العامة التمييزية مطالعتها في القضية وسلمتها إلى المحقق العدلي.لكن اللافت كان التسريب المقتضب والمدوّي في آن واحد من خلال توزيع خبر عن "اتهام الرئيس السابق العماد ميشال عون وتحميله المسؤولية لعلمه بوجود النيترات في المرفأ".والتسريب جاء بعد ساعات على لقاء جمع المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب والبيطار، وتضمن اسم عون وما نُسب إليه بحسب التسريبات غير المؤكدة بعد، وتحميله مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة قضية النيترات المخزنة في العنبر رقم 12في مرفأ بيروت منذ عام 2013، وأن رئيس الجمهورية يومها لم يطرح الأمر أمام المجلس الأعلى للدفاع". وزير العدل السابق سليم جريصاتي يرى "أن أيّ تسريب لمطالعة النيابة العامة التمييزية غير الملزمة لا يمكن أن يكون بريئا قبل صدور القرار الاتهامي عن المحقق العدلي. فمن سعى إلى ذلك يهدف إلى التورية على إخفاقات الحاضر والتمهيد للآتي الأعظم، وتبقى الكلمة الفصل للمحقق العدلي".عند هذا الحدّ يقف تعليق جريصاتي الذي لا ينوي الحديث عن الدستور والقانون راهناً، على الرغم من متابعته الدقيقة لمجريات قضية انفجار المرفأ، وتمتعه بخبرة دستورية وقانونية واسعة.والواقع أن عدم مناقشة قانونية ما حدث، يفتح الباب على قضية صياغة التسريب وتعمّد تضمينه عبارات قانونية غير موجودة في المطالعة المؤلفة من أكثر من 260 صفحة، وتضم أسماء نحو 75 شخصية سياسية وأمنية وقضائية. والأهم من ذلك بحسب مصادر قضائية أن "عبارة توجيه الاتهام لم ترد في المطالعة، والمحامي العام التمييزي لا يطلب ذلك لأن القرار النهائي للمحقق العدلي، لكنه يستطيع طلب التوسع في التحقيق أو الاستماع إلى تلك الشخصية أو غيرها من دون توجيه الاتهام". تستغرب القاضية غادة عون من جهتها ذلك التسريب و"التفرد بمعلومات مماثلة قبل صدور القرار الاتهامي في قضية كبيرة بحجم قضية المرفأ تستوجب التكتم وعدم استباق التحقيق". وتقول: "إذا بلّش هيك التسييس يعني العوض بسلامتكم! أنا لي كل الثقة بالمقق العدلي البيطار الذي سيبقى فوق التسييس(...)".إلى ذلك، تعلّق المصادر القضائية على ما تردد عن اتهام عون، بالتأكيد أن "رئيس الجمهورية السابق طلب من المجلس الأعلى للدفاع متابعة قضية النيترات في المرفأ فور تبلغه الأمر في 21 تموز/ يوليو عام 2020، وأبلغه الأمين العام للمجلس بعد أسبوع أنه يتابع الأمر". أما ما كان يفتقده التحقيق فيكمن في الاستماع إلى صاحب السفينة التي نقلت النيترات إلى المرفأ والموقوف في بلغاريا، وقد رفضت سابقاً صوفيا تسليمه إلى لبنان بسبب عقوبة الإعدام في القانون اللبناني، ولكن بعد إلغائها كان يجب مخاطبة بلغاريا مجدداً والمطالبة بتسليم صاحب السفينة، أو على الأقل السماح للمحقق العدلي بالاستماع إليه.في المحصلة، كل ما يطلبه اللبنانيون، وفي مقدمهم أهالي الضحايا والمتضررون، هو كشف الحقيقة بعيداً من التسييس والحماية السياسية لمن وردت أسماؤهم في التحقيقات. ويبقى القرار الاتهامي من صلاحية المحقق العدلي غير الملزم مدة زمنية لإصداره.