في القسم الثاني من كتابها "تعليم المصريين: القيم المدنية والصراعات الإيديولوجية"، تناقض الباحثة الأنثروبولوجية الأميركية، ليندا هيريرا، مسألة التعليم بوصفها قضية "أمن قومي"، كما وصفها وزير التعليم السابق الدكتور حسين كمال بهاء الدين. كانت المدارس قد تحولت في مطلع التسعينيات إلى ساحة صراع بين الحكومة وتيارات الإسلام السياسي، وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين. وكانت ذروة تلك المواجهة قد تبدت في "حملة تطهير المدارس" من الأساتذة ذوي الميول الإسلامية، والتي تضمنت نقل ألف مدرس إلى وظائف إدارية في العام 1992. بشكل عام، تنطلق هيريرا من فرضية أن المدرسة هي مرآة لاتجاهات سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى، تعكس التصورات حول تشكيل "المواطن"و"المجتمع الصالح". وتظل الاستنتاجات المتعلقة بحقبة مبارك، صالحة لفهم أوضاع التعليم بعد الثلاثين من يونيو. والحال أن مسألة التعليم الحكومي لا تزال قضية أمن قومي في نظر منظومة الحكم الحالية. مع تسارع وتيرة خصخصة الخدمات وعلى رأسها التعليم، أضحى التعليم الحكومي ساحة لضبط أبناء الطبقات الأكثر هشاشة والأكثر قابلية للتمرد. انتقلت العديد من الملفات التي تولتها أجهزة الأمن في الماضي إلى يد القوات المسلحة، أو على الأقل أصبح الجيش شريكاً للأمن فيها. وعلى المنوال نفسه، أوكل للأكاديمية العسكرية أدواراً في اختبار المتقدمين لوظائف التدريس في سلك التعليم المدني. وفي الخمس دفعات الأخيرة لتعيينات المدرسين، وضعت الأكاديمية شروطاً تضمنت اختبارات لياقة بدنية وكشف للهيئة، بل وحدود للوزن المثالي. واستبعد ألوف من المتقدمين طبقاً لتلك الشروط غير الدستورية. تمثل حالتنا هذه بيان فج لطغيان أدوات الدولة الصلبة أو الخشنة على أدواتها اللينة. الحاجة لمؤسسات الدولة الأيديولوجية، مثل التعليم والثقافة والفنون تتواري لصالح المؤسسات القمعية، أو يتماهى الاثنان معاً. كما تصبح الحدود بين الوظائف العسكرية والمدنية غير واضحة، بولاية للأولى على المدنيين بالطبع. ثمة هوس رئاسي بمسألة اللياقة البدنية للمواطنين، حيث كرر السيسي في خطابته عبر السنوات تعليقات بشأن السمنة والوزن المثالي. من جهتها تطبق الأكاديمية العسكرية المعايير التي تعرفها، وإن كانت تطبق في النطاق الخطأ. بشكل ضمني تتضمن عسكرة الوظيفة العامة تمييزاً ضمنياً ضد النساء، وبالتحديد حين يتعلق الأمر بشرط الوزن المثالي. تشير بيانات الاتحاد العالمي للسمنة إلى أن نسبة السمنة بين الرجال في مصر تصل إلى حوالى 25% في مقابل حوالى 56% بين النساء. ببساطة يستبعد شرط الوزن المثالي أكثر من نصف النساء من الوظيفة العامة، بالإضافة إلى المتقدمات اللاتي لا يتمكن من تجاوز اختبارات اللياقة البدنية بسبب الحمل. يساهم غياب النساء المصريات عن المساحات العامة في زيادة مستويات السمنة بينهن، وتغلق الدائرة الذاتية التغذية حين تساهم تلك السمنة في حرمانهن من الوظيفة العامة، وبالتبعية، من التواجد في المكان العام.