قبل قرون من تحوّل مضيق هرمز إلى شريان للطاقة وساحة صراع دولي، حكمت مملكة هرمز جانباً مهماً من تجارة الخليج، وبنت ثروتها على الجمارك والإتاوات والسيطرة على حركة السفن والبضائع. نشأت المملكة على الساحل القاري قرب ميناب في القرن الحادي عشر، ثم نقلت الأسرة الحاكمة مركزها إلى الجزيرة أواخر القرن الثالث عشر. واحتفظت باستقلال متفاوت، مع دفع إتاوات أو الإقرار بتبعية لقوى إقليمية في مراحل مختلفة، بينها سلاجقة كرمان والإيلخانيون، قبل أن تخضع للبرتغاليين في القرن السادس عشر. واستمر نفوذهم حتى عام 1622، حين أُخرجوا منها بتحالف صفوي - إنكليزي. فرض فقر الجزيرة بالمياه والأراضي الزراعية نموذجاً اقتصادياً يعتمد على التجارة. خضعت البضائع الداخلة إلى مينائها للجمارك، ودفعت المملكة إتاوات لقوى البر، فيما حملت السفن خلال العهد البرتغالي تراخيص ملاحية عُرفت باسم "الكارتاز". وهنا يبرز الفارق الأساسي في تاريخ الجباية في هرمز. فقد جاءت الثروة أساساً من البضائع والتجارة ودخول الموانئ وتنظيم الملاحة، أكثر من فرض رسم ثابت على السفن لمجرد عبورها المضيق. وهذه الآليات القديمة تكتسب دلالة معاصرة مع عودة الجدل حيال قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة عبر هرمز وتحصيل كلفة المرور. ارتبطت عوائد هرمز بالسلع التي تحملها السفن وعمليات البيع والتفريغ وإعادة التصدير. وتوضح المؤرخة البرتغالية ديجانيرا كوتو، في حديث لـ"النهار"، أن نسبة 10% أو "العُشر" الواردة في بعض المصادر كانت "ضريبة جمركية على قيمة البضائع المستوردة"، وليست رسماً ثابتاً تدفعه السفينة لمجرد عبور المضيق. وتستند كوتو إلى دراستها "هرمز في ظل الحماية البرتغالية... ملاحظات حول الشبكات الاقتصادية البحرية المتجهة إلى الهند في أوائل القرن السادس عشر"، التي تظهر تفاوت الرسوم بحسب نوع البضاعة ومصدرها وقيمتها. وبلغت 10% على الأقمشة الهندية، ونحو 16.66% على العقاقير والتوابل، و16.5% على بعض أقمشة ملقا، فيما خضع القطن الهندي لنسبة أقل بلغت 5%. وفُرضت رسوم إضافية على بعض السلع والطرود، بينها السكر والنيلة والأرز والقطن، إضافة إلى أوعية الزبدة. وتشير بيانات عام 1515، التي تنقلها كوتو عن المؤرخ البرتغالي جواو دي باروس، إلى أن جمارك دخول البضائع إلى مدينة هرمز حققت نحو 100 ألف أشرفي، وهي عملة ذهبية متداولة آنذاك، مقابل 41,300 أشرفي لبقية إيرادات المدينة، ما يكشف حجم اعتماد المملكة على تجارتها ومينائها. خريطة تاريخية لجزيرة هرمز تُظهر القلعة والميناء وحركة السفن حول الجزيرة. (أرشيف) يشرح ويلم فلور، مؤلف كتاب "الخليج الفارسي... الاقتصاد السياسي لخمس مدن ساحلية بين عامي 1500 و1730"، لـ"النهار"، أن البرتغاليين لم ينشئوا النظام التجاري والجمركي في الخليج من الصفر، بل استوعبوا تقاليد أقدم، ثم أعادوا ترتيبها تحت حماية عسكرية وإدارة برتغالية. وكان "الكارتاز" الأداة الأبرز في هذا النظام، وهو ترخيص مكتوب للملاحة يحدد السفينة وربانها وحمولتها وميناءي الانطلاق والوصول. وكان المقابل المعتاد للترخيص بارداو واحداً لكل سفينة، وهي وحدة نقدية برتغالية متداولة في الهند البرتغالية. لكن "الكارتاز" لم يكن مجرد جواز مرور، إذ ربط بين حق الإبحار والحماية البرتغالية، وأتاح الوصول إلى الموانئ الخاضعة للبرتغال وممارسة التجارة فيها، مقابل الالتزام بقواعد الملاحة ودفع الجمارك. ويؤكد فلور أن البرتغاليين استخدموه لتنظيم حركة السفن والبضائع وإدماج التجار في نظامهم التجاري. ويميز المؤرخ جيانكارلو كازالي، في حديثه إلى "النهار"، بين الجمارك التي تُحسب عادة كنسبة من قيمة البضائع، ورسوم الموانئ التي تُفرض بمعدل ثابت على السفينة أو وفق حمولتها، والإتاوات التي تنتقل بين الحكام. ويستشهد كازالي بمدفوعات كان ملك هرمز يقدمها أحياناً إلى حكام شيراز وغيرهم من حكام البر، مقابل تركه حراً في إدارة التجارة والسيطرة عليها. ويرى كازالي أن تحصيل رسوم في البحر مقابل مجرد المرور لم يكن شائعاً، لأن الأموال كانت تحتاج إلى أن تنتقل فعلياً، كما كان لا بد من تفتيش الحمولات. لذلك، فإن ما يبدو رسماً على العبور كان يعني غالباً إلزام السفن بالتوقف في ميناء محدد، ثم دفع الجمارك أو الرسوم المطلوبة. وفي قراءة أكثر حسماً، يقول كازالي إن هرمز احتكرت القوة البحرية في المنطقة، وسيطرت على مواد أساسية لبناء السفن، مثل الأخشاب والأشرعة، واستخدمت هذا التفوق لإجبار السفن العابرة على التوقف ودفع ضريبة تُحسب وفق قيمة حمولاتها. لكنه ذكر أن مقدارها بلغ 10%. وفي تفسيره للتحول البرتغالي، يقول كازالي إن أفونسو دي ألبوكيرك حاول في البداية استخدام هرمز نقطة اختناق لمنع التجارة من عبور الخليج وتحويلها إلى الطريق البحري حول أفريقيا، الذي كان البرتغاليون يسيطرون عليه. ولهذا حُظرت التج