استقبلت فدوى حمدان الطبيعة بقلبها وعواطفها وحواسها، ويمكن القول إنّها استمعت إلى لغة الطبيعة ذاتها بعينيها. ولم تنظر إليها كما تبدو للعين المجرّدة، نعني بذلك زرقة السماء وبياض السحب وإخضرار الأشجار... بل رأت الأشياء تظهر من خلال أضواء وألوان كثيرة مبعثها الطبيعة نفسها. رسمت حمدان في لوحتها: "كفرا القديمة"، لحظة حنين في الحركة الدائمة للوجود. وعرضت لزمن مهدّد رحل ولم يعد، في ظلّ تداخل واصطدام القوى المتصارعة على مدى عقود. وعلى رغم بساطة المنظر الطبيعي الجميل داخل إطار اللوحة، فقد أوحت الرسمة بالبعد الثالث، وبالعمق، عن طريق التفاعل الضوئيّ لمجموعة ألوانها، المعبِّرة تعبيرًا واقعيًا عن طريق العين في بلدة كفرا الجنوبيّة. فإذا كان الرسم في القدم يسيل من الخارج على موضوع التصوير، وإذا كان الضوء في المدرسة الانطباعيّة ينفجر من باطن الأشياء نفسها، فإنّ الأضواء في لوحة "عبرا القديمة" لها لغتها الخاصة التي تحدّثت بها، وكان لسيلان الرسم وانفجار الضوء لقاء ساحر على قماشتها. كيف رسمت فدوى حمدان الشمس، وهي تتأرجح فوق المنازل "الدبّاشيّة" بسنديانة غضّة، وكأنها السحر يسير على رؤوس الأصابع، ويلتحف بحفيف أوراق الشجرة الدهريّة ونسمات الصباح!!؟ منازل قديمة ونوافذ ملوّنة مشرّعة على الجمال، وطرقات رحبة مغتبطة بخطى نساءٍ يحملن جرارًا على رؤوسهنّ، وكأنّنا في حاضرة جبل عامل اوّل أيّام الجمهوريّة. لوحة ساحرة تنبض بحكايا غابرة أو مؤجّلة، فكم اشتاقت إلى لمِّ شملٍ بعد هذا الرحيل القسري والاغتراب القاتل، فهل يعود النبض إليها مع عودة أحبّة رحلوا؟ حارة إن حكت طرقاتها وذاكرتها وشجرة الصنوبر، تدهشك ببساطة قلوبها الدافئة ككرم أصحابها. تلك البيوت الهانئة، كانت تحمل بين جدرانها صلوات أمّهاتنا وقلوبًا نقية بنعمة الأمان، خلافًا لقصور يسكنها الصقيع وقلوبها كأوجه ساكنيها. من مكان النزوح، حنين إلى الحارة العتيقة، وإصرار حمدان على عشقها لأرض الجنوب. وعلى شرفة انتظار العودة، يسرح الجمال اختيالًا على مداميك ذاكرة الزمان وحجارة المنازل المصبوغة بالدموع... فقد كانت هنا تسامر القمر أمسيات، وتستقبل الصباحات بفرح الديك الذي كان يوقظ النبي نوح. فمن يبرح تلك البيوت العتيقة قبل حصاد الأحاسيس وفلشها على بيادر الروح؟ لم تختفِ الجاروشة عن دنيا الفرح، فهي في الريف تربض في زاوية السطيحة، لكن روح الريف هي التي غادرت المكان، فأعادتها فرشاة فدوى حمدان مع مرح شجرة الإزدرخت وحديث النسوة والأشجار. كثافة ألوان اللوحة، وغنج الفرشاة للأشجار والجدران والسحب، جعلت في داخلها أثرًا يجمع بين الطبيعيّة والانطباعيّة الفطريّة. فعناصر اللوحة من أشجار وبيوت ونساء، وحتّى الجبال المرسومة بروح تلقائيّة، هي أقرب إلى الفن الفطريّ الشعبيّ الجميل المسكون بالأحاسيس التي يسكنها الحنين. جهدت الفنّانة إلى تقديم المشهد الخلّاب الذي يحتوي على العمارة الحجريّة، والملابس التقليديّة القريبة إلى الفولكلور والبيئة الجبليّة الريفيّة، بصورة واقعيّة فوتوغرافيّة، لكنّها من غير إدراك منها أعادت بناء ذاكرة بصريّة وإحتفاليّة بزمن يحنّ إليه الواقع المزري للجنوب الحبيب.