لم تعد كلفة الحرب الأميركية مع إيران تُقاس فقط بمليارات الدولارات، بل بما استهلكته أيضاً من مخزون عسكري قد تحتاج واشنطن إلى سنوات لتعويضه. فتقرير جديد لمكتب الميزانية في الكونغرس يضع رقماً ثقيلاً على الأشهر الأولى من المواجهة: نحو 38 مليار دولار، بالتوازي مع ضغوط متزايدة على مخزونات الذخائر الأميركية ومخاوف بشأن قدرة القاعدة الصناعية الدفاعية على تعويضها سريعاً. وبحسب مكتب الميزانية في الكونغرس، بلغت الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية الأميركية ضد إيران نحو 38.1 مليار دولار حتى مطلع آب، وتشمل تعويض الذخائر المستخدمة والمعدات المفقودة، وزيادة ساعات الطيران، وارتفاع استهلاك الوقود وغيرها من النفقات المرتبطة بالعمليات. ويستحوذ تعويض الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي على الحصة الأكبر من الفاتورة، بكلفة تقدر بنحو 21.7 مليار دولار، ما يجعل الذخائر المتطورة أحد أثقل بنود الحرب على موازنة البنتاغون. ولا تقتصر المشكلة على الكلفة المالية، إذ يثير حجم استهلاك الذخائر مخاوف داخل واشنطن بشأن الوقت اللازم لإعادة بناء المخزونات، ولا سيما الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في الدفاع الجوي والصاروخي. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، قد يستغرق تعويض بعض هذه المخزونات سنوات، في وقت يثير فيه استنزافها تساؤلات بشأن الجاهزية الأميركية لمواجهة أزمات عسكرية أخرى محتملة، خصوصاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي المقابل، قلل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من المخاوف المرتبطة بنقص الذخائر، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك كميات كبيرة منها، فيما رفضت وزارة الدفاع الأميركية توصيف الوضع على أنه نقص في المخزونات. ولا تبدو فاتورة الحرب مرشحة للتوقف عند المستوى الحالي. فمكتب الميزانية يقدّر استمرار النفقات بمليارات الدولارات شهرياً إذا تواصلت العمليات، مع ارتباط حجم الإنفاق بوتيرة المواجهة وحدتها. وتتجاوز التداعيات الموازنة العسكرية. فقد أشار مكتب الميزانية إلى انعكاسات اقتصادية مرتبطة بالحرب واضطراب إمدادات الطاقة، ولا سيما نتيجة تراجع حركة النفط والغاز عبر مضيق هرمز، مع توقعات بأن تسهم هذه التطورات في زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأميركي. سياسياً، جاء التقرير بطلب من مشرعين ديمقراطيين، بينهم النائب بريندان بويل والسيناتورة إليزابيث وارن، اللذان وجها انتقادات حادة إلى إدارة ترامب بسبب الكلفة المالية والعسكرية للحرب. واعتبر بويل أن الإدارة تجد عشرات المليارات لتمويل الحرب في وقت تتحدث فيه عن صعوبة تمويل احتياجات داخلية، فيما وصفت وارن الحرب بأنها تستنزف أموال الأميركيين ومخزونات الذخائر وتؤثر في الجاهزية العسكرية. وتبقى هذه المواقف جزءاً من السجال السياسي الداخلي بشأن الحرب، وليست من استنتاجات مكتب الميزانية نفسه. وتأتي الأرقام الجديدة في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل الكونغرس حول استمرار العمليات العسكرية ضد إيران وصلاحيات الرئيس في إدارتها، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني. وكان ترامب قد طلب تمويلاً إضافياً بعشرات مليارات الدولارات لدعم العمليات وتعويض المخزونات العسكرية، وسط نقاش متزايد في الكونغرس بشأن الكلفة الطويلة الأمد للمواجهة. وتعود العمليات العسكرية الأميركية الحالية ضد إيران إلى مطلع عام 2026، فيما تحولت كلفتها مع مرور الأشهر إلى ملف سياسي واقتصادي وعسكري داخل الولايات المتحدة. ومع استمرار المواجهة، لم يعد السؤال في واشنطن متعلقاً بحجم الأموال التي أُنفقت فحسب، بل بالوقت والكلفة المطلوبين لإعادة بناء الترسانة التي استُهلك جزء منها خلال الحرب.