ليست كل مطالعة قضائية عدالة، ولا تتحول الأوراق، ولو بلغت 260 صفحة فولسكاب، إلى دستور موازٍ. فما تسرّب عن مطالعة النيابة العامة التمييزية في ملف انفجار مرفأ بيروت، لجهة تحميل رئيس الجمهورية السابق ميشال عون مسؤولية جزائية، يطرح سؤالاً حاسماً: هل يملك المحقق العدلي أو النيابة العامة اتهام رئيس الجمهورية عن أفعال وقعت خلال ولايته، أم أن هذه الصلاحية محصورة بمجلس النواب؟ بحسب المعلومات المتداولة، تناولت مطالعة المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب مسؤوليات 73 مدعى عليهم، بينهم أشخاص معنويون وشركات، قبل تسليمها إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار. وقيل إنها حمّلت عون مسؤولية جزائية لأنه علم بوجود نيترات الأمونيوم وخطورتها قبل نحو أسبوعين من انفجار 4 آب 2020، ولم يعرض القضية على مجلس الدفاع الأعلى. لكن العلم بوجود مادة خطرة لا يساوي تلقائياً المسؤولية عن انفجارها. فالمسؤولية الجزائية تتطلب إثبات واجب قانوني محدد كان يفرض على عون اتخاذ إجراء بعينه، وقدرته الفعلية على اتخاذه، ثم وجود رابطة سببية مباشرة بين امتناعه والكارثة. هل كان التقرير الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية يحذّر بوضوح من انفجار وشيك؟ هل كان رئيس الجمهورية يملك منفرداً نقل المواد أو إتلافها؟ وهل كانت رئاسة الجمهورية المرجع الإداري المشرف على المرفأ والجمارك والعنبر رقم 12؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلاً. من دون أجوبة قانونية وإثباتات واضحة، يصبح الاتهام استنتاجاً سياسياً مكتوباً بلغة قضائية. بعد تعديلات الطائف، لم تعد السلطة التنفيذية منوطة برئيس الجمهورية. فالمادة 17 من الدستور أناطتها بمجلس الوزراء، فيما جعلت المادة 65 المجلس مسؤولاً عن وضع السياسة العامة والإشراف على الإدارات والمؤسسات والأجهزة الأمنية. أما رئيس الجمهورية فيرأس مجلس الدفاع الأعلى عند انعقاده، لكنه لا يحلّ محل مجلس الوزراء أو الوزراء والإدارات المختصة. لذلك، فإن تحويل عدم عرض التقرير على مجلس الدفاع الأعلى إلى مسؤولية عن الانفجار يفترض إثبات وجود نص يلزم الرئيس شخصياً بهذا الإجراء، وأن اتخاذه كان سيمنع الكارثة. أما الاكتفاء بعبارة "كان عليه أن يفعل"، فلا يؤسس جريمة. ولا تستقيم المقارنة بين مسؤولية عون ومسؤولية رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب أو غيره من المدعى عليهم. فالمسؤولية الجزائية شخصية، ولا توزّع وفق التراتبية السياسية. قد يكون موظف أدنى رتبة مسؤولاً مباشرة لأنه كان يملك القرار التنفيذي، فيما تنتفي مسؤولية مسؤول أعلى إذا لم يمنحه القانون سلطة اتخاذ ذلك القرار. لكن حتى مع افتراض وجود أدلة جدية بحق عون، تبقى المادة 60 من الدستور عقبة لا يستطيع القضاء تجاوزها. فهي تنص على أن مسؤولية رئيس الجمهورية عن الجرائم العادية تخضع للقوانين العامة، لكنها تحصر اتهامه بمجلس النواب وبغالبية ثلثي مجموع أعضائه، على أن تجري محاكمته أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80. النص واضح: الاتهام من مجلس النواب، والمحاكمة أمام المجلس الأعلى. صحيح أن المادة 362 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تمنح المحقق العدلي صلاحية استجواب كل من يظهر التحقيق مساهمته في الجريمة، وأن المادة 364 تخوله إصدار قرار بالاتهام والإحالة إلى المجلس العدلي. لكن هذه الصلاحيات مصدرها قانون عادي، ولا يمكنها تعطيل نص دستوري أعلى مرتبة. المحقق العدلي ليس سلطة تأسيسية، والنيابة العامة ليست مجلساً نيابياً، والمجلس العدلي ليس المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. أما القول إن عون أصبح رئيساً سابقاً فلا يحل المشكلة. فالأفعال المنسوبة إليه مرتبطة بصفته عند وقوعها: تقرير وصل إليه كرئيس للجمهورية، وإجراء قيل إنه كان يجب اتخاذه في مجلس الدفاع الأعلى. والعبرة هنا بطبيعة الفعل وصفة الشخص حين وقوعه، لا بصفته يوم تحريك الملاحقة. ولو سقطت الأصول الدستورية بانتهاء الولاية، لأمكن الالتفاف على المادة 60 بمجرد تأخير الملاحقة إلى ما بعد مغادرة الرئيس قصر بعبدا. وهذا يفرغ النص من مضمونه. لا تعني المادة 60 أن الرئيس فوق القانون. فإذا كانت لدى القضاء أدلة جدية، يمكن تثبيتها وإحالتها إلى الجهة الدستورية المختصة. وعندها يعود إلى مجلس النواب تقرير الاتهام بغالبية الثلثين، وإلى المجلس الأعلى إجراء المحاكمة. أما مطالعة النيابة العامة فلا تشكل حكماً ولا قراراً اتهامياً، ولا تلزم البيطار. وحتى إذا طلبت ملاحقة عون، فإن طلبها لا ينشئ صلاحية غير موجودة ولا يمنح المجلس العدلي اختصاصاً حجبه عنه الدستور. ويبقى الفارق أساسياً بين "الادعاء" الجزائي و"الاتهام" الدستوري. فالنيابة العامة تمارس دعوى الحق العام ضمن صلاحياتها، لكن اتهام رئيس الجمهورية فعل دستوري محصور بمجلس النواب. وإلا، فما معنى اشتراط غالبية الثلثين؟ ولماذا خصّص الدستور مجلساً لمحاكمة الرؤساء والوزراء؟ كذلك، ل