انتهى اجتماع سفيرة لبنان لدى واشنطن ندى معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، فيما بدت الأسئلة التي أعقبت اللقاء أكثر من الأجوبة التي خرجت منه. فساعتان داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية لم تنتجا بياناً مشتركاً، ولم تكشفا عن تفاهم جديد أو موعد واضح لاستئناف المفاوضات المتعثرة بين لبنان وإسرائيل. وبحسب المعلومات المتوافرة، عُقد الاجتماع مساء الثلاثاء في واشنطن، وانتهى قرابة الساعة 00:00 بتوقيت بيروت، وتركز البحث خلاله على التطورات في لبنان وآلية تنفيذ "صيغة الإطار" التي جرى التوصل إليها برعاية أميركية في حزيران الماضي. لكن خلف هذا العنوان العام، بقي مضمون النقاش محجوباً. فالخارجية الأميركية لم تصدر بياناً يوضح طبيعة المقترحات التي طُرحت، كما لم يعلن الجانب اللبناني ما إذا كان قد حصل على التزامات إسرائيلية تتعلق بالانسحاب أو وقف الاعتداءات أو الانتقال إلى مناطق تجريبية جديدة في الجنوب. ويكتسب اللقاء أهمية إضافية لكونه جاء بالتزامن مع تأجيل جولة المفاوضات التي كانت مقررة في روما إلى تشرين الأول المقبل. وهذا يعني أن اجتماع واشنطن لم يكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل محاولة أميركية لمنع المسار التفاوضي من الدخول في جمود كامل. ولا تزال العقدة الأساسية تدور حول ترتيب الخطوات. فلبنان يتمسك بانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة السكان إلى بلداتهم، واستعادة الأسرى، وبدء إعادة الإعمار، بالتوازي مع انتشار الجيش وتثبيت سلطة الدولة. أما إسرائيل، فتربط أي انسحاب إضافي بإثبات الجيش اللبناني سيطرته الكاملة على المناطق التي تنسحب منها قواتها، ومنع حزب الله من إعادة بناء وجوده العسكري فيها. وبين الموقفين، تعمل واشنطن على اختبار ما تسميه "المناطق التجريبية". وقد ظهر ذلك بوضوح خلال زيارة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى إلى زوطر الغربية وجسر قعقعية الجسر، حيث عاين انتشار الجيش والواقع الميداني والصعوبات التي تواجه السكان الراغبين في العودة إلى منازلهم. ولا يبدو التزامن بين زيارة عيسى إلى الجنوب واجتماع السفيرين في واشنطن تفصيلاً منفصلاً. فالولايات المتحدة تبدو في مرحلة تقييم النموذج الأول قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة: هل تمكن الجيش من تثبيت حضوره؟ هل تستطيع الدولة توفير الخدمات؟ هل باتت عودة السكان ممكنة؟ وهل ستقابل إسرائيل الخطوات اللبنانية بانسحاب فعلي؟ في المقابل، يطرح الاجتماع إشكالية سياسية داخلية، بعدما أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون عدم وجود "مفاوضات جديدة" مع إسرائيل في الوقت الراهن، متمسكاً بالثوابت اللبنانية المتعلقة بالانسحاب وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار. فهل اقتصر لقاء واشنطن على اجتماع تقني لمتابعة اتفاق قائم، أم أنه شكّل جولة تفاوضية فعلية تحت تسمية مختلفة؟ وقد يكون الصمت الذي أعقب اللقاء ناتجاً عن حساسية المفاوضات، لكنه قد يعكس أيضاً عدم تحقيق اختراق يسمح بإعلانه. فالاجتماع انعقد، لكن المفاوضات بقيت مؤجلة، والاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، والانسحاب لم يُستكمل، فيما لا يزال السكان ينتظرون العودة وبدء الإعمار. وعليه، لا تكمن أهمية اجتماع واشنطن في انعقاده فحسب، بل في ما لم يُعلن عنه حتى الآن. ماذا طلبت إسرائيل؟ ماذا عرض الجانب اللبناني؟ ما الضمانات التي قدمتها واشنطن؟ وهل جرى التفاهم على منطقة تجريبية جديدة، أم أن الخلاف بقي عند النقطة نفسها؟ بين ساعتين من النقاش وبيان لم يصدر، يبقى السؤال الأساسي: هل تعمل واشنطن على تنفيذ الاتفاق، أم على إعادة صياغته بشروط جديدة؟