يفتح استخدام الفوسفور الأبيض في لبنان نقاشاً قانونياً يتجاوز مشاهد الدخان والنيران، فماذا يقول القانون الدولي عندما تُستخدم مادة بهذه الخطورة في مناطق مأهولة، فيما لا توجد معاهدة دولية تحمل اسمه صراحةً وتحرّم استخدامه؟ ويعود هذا الجدل إلى الواجهة مع توثيق تقرير دولي جديد 23 واقعة قال إنه تحقّق فيها من استخدام القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان بين آذار وأيار 2026، محذراً من آثار إنسانية خطيرة ومن استمرار ما وصفه بـ"فراغ قانوني دولي في تنظيم استخدام هذه الذخائر". ويُشار إلى أنّ التقرير صادر عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" والعيادة الدولية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة هارفرد، تحت عنوان "حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى". تعليقاً على هذا الموضوع، توضح الأستاذة المحاضرة في القانون د. جوديت التيني أنّه "لا يوجد قانون دولي يرعى الفوسفور الأبيض" بالمعنى المتعلّق بوجود معاهدة دولية خاصة تحرّم وتجرّم استخدامه. وتشرح في حديث لموقع MTV، أنّ "تحريم استخدام هذه المادة غير مشمول بالبروتوكول المتعلّق بحظر أو تقييد استعمال الأسلحة الحارقة لعام 1980 الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية، والمخصّص لتنظيم الأسلحة الحارقة". كما أنّ الفوسفور الأبيض، وفقها، لا يُعدّ من الأسلحة الكيميائية، وبالتالي لا تشمله اتفاقية عام 1993 المتعلقة بحظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة. إلا أنّ غياب النصّ الصريح لا يعني، وفق التيني، أنّ استخدام الفوسفور الأبيض أصبح مباحاً، إذ إن استخدامه في ظروف معيّنة لا يميّز بين المقاتلين والمدنيين، ما يجعله في تعارضٍ مع القواعد العامة للقانون الدولي الإنساني. وترى أنّ المطلوب هو اعتماد معاهدة دولية خاصة، أو إضافة نصّ واضح إلى إحدى المعاهدات القائمة، يقضي بتحريم هذا الاستخدام. وفي ظل هذا النقص القانوني، هل توجد قاعدة يمكن الاستناد إليها اليوم لتحريم استخدام الفوسفور الأبيض؟ بالنسبة إلى التيني، الإجابة ترتبط بما يُعرف بـ"شرط مارتنز"، الذي يشكّل، وفق شرحها، سنداً قانونياً مهماً في هذه الحالة. وتوضح أنّ "شرط مارتنز" هو مبدأ في القانون الدولي الإنساني يُفيد بأنه، عندما لا توجد معاهدة دولية خاصة تنظّم مسألة معينة، تبقى حماية المدنيين والمقاتلين قائمة استناداً إلى المبادئ الإنسانية وما يمليه الضمير العام. بذلك، لا تتحوّل الثغرة التشريعية إلى مساحة خالية من القواعد، ولا يصبح غياب معاهدة تحمل اسم السلاح بمثابة ضوء أخضر لاستخدامه من دون قيود. فالقانون الدولي الإنساني لا يقوم فقط على النصوص التي تسمّي الأسلحة واحداً واحداً، بل أيضاً على مبادئ عامة تحكم طريقة خوض النزاعات وتحمي من لا يشاركون في القتال. في هذا السياق، تتّجه الأنظار إلى المؤتمر المخصّص لمراجعة اتفاقية الأسلحة التقليدية في الأمم المتحدة خلال تشرين الثاني، حيث تأمل التيني أن يشكّل هذا الاستحقاق فرصة لسدّ هذه الثغرة القانونية عبر حظر صريح لاستخدام الفوسفور الأبيض. وبينما ينتظر القانون الدولي خطوةً قد تُنهي مساحة الالتباس، تبقى آثار الفوسفور الأبيض في ساحات النزاع أكثر وضوحاً من أيّ نصّ. فالنار التي تشتعل لا تنتظر تعريفاً قانونياً، والألم الذي يصيب المدنيين لا يحتاج إلى معاهدة كي يصبح حقيقة. وما يطالب به القانونيون اليوم ليس فقط توصيفاً أدق للسلاح، بل قاعدة واضحة تمنع أن يتحوّل غياب النص إلى غياب للحماية.